السيد المسيح وصفاته الإلهية

قدرته على الخلق
        لاشك أن الخالق هو الله. وقصة الخليقة تبدأ بعبارة "فى البدء خلق الله السموات والأرض" (تك 1:1). والإصحاح الأول من سفر التكوين يشرح كيف خلق الله كل شئ. وفى سفر أشعياء يقول الله "أنا الرب صانع كل شئ، ناشر السموات باسط الأرض" (أش 24:44). "أنا الرب صانع كل هذه" (أش 7:45).

1- ومع ذلك هناك آيات فى الكتاب تذكر أن المسيح هو الخالق:
أ- (يو 3:1) يقول يوحنا الإنجيلى عن السيد المسيح "كل شئ به كان، وبغيره لم يكن شئ مما كان" وهنا لا يذكر فقط أنه الخالق، إنما أيضاً بغيره ما كانت هناك خليقة. ويقول أيضاً "كان فى العالم، وكون العالم به" (يو 10:1).
ب- (عب 1:1) ويقول بولس الرسول "الذى به عمل العالمين".
ج- (كو 16:1) ويقول أيضاً "فإن فيه خلق الكل، ما فى السموات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء كانوا عروشاً أم سيادات أو رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق".
د- (1كو 6:8) ويقول أيضاً "به جميع الأشياء ونحن به".

2- وقد ذكر الكتاب معجزات للسيد تدل على الخلق.
منها معجزة إشباع خمسة آلاف من خمس خبزات وسمكتين (لو 9: 10-17).
وهنا خلق مادة لم تكن موجودة، أمكن بها إشباع هذه الآلاف. ويزيد هذه المعجزة قوة أن الجميع أكلوا وشبعوا. ثم رفع ما فضل عنهم من الكسر إثنتا عشرة قفة. فمن أين أتت كل هذه الكسر. أنها مادة لم تكن موجودة، خلقها الرب يسوع. وهذه المعجزة العظيمة ذكرها كل الإنجيليين الأربعة.
ويشبه هذه المعجزة إشباع أربعة آلاف من الرجال عدا النساء والأطفال. وذلك من سبع خبزات وقليل من السمك (متى 15: 32-38) ثم رفعوا ما فضل عنهم سبعة سلال مملوءة.
وهنا أيضاً خلق مادة لم تكن موجودة. والقدرة على الخلق هى من صفات الله وحده.

3- ومن معجزات الخلق أيضاً تحويل الماء خمراً فى عرس قانا الجليل (يو 2).
وهنا عملية خلق: لأن الماء مجرد أوكسجين وأيدروجين، فمن أين أتى الكحول وباقى مكونات الخمر؟ لقد خلق السيد كل هذا فى تلك المعجزة، التى مما يزيد قوتها أنها تمت بمجرد إرادته فى الداخل، دون أية عملية، ولا رشم ولا مباركة، ولا حتى صدر منه أمر كأن يقول فليتحول الماء إلى خمر.. إنما قال "املأوا الأجران ماء، فملأوها. ثم قال لهم إستقوا الآن" (يو 2: 7،8). وهكذا صار الماء خمراً بمجرد إرادته. أراد أن تخلق مادة الخمر فخلقت حتى بدون أمر.

4- ومن معجزات الخلق أيضاً منح البصر للمولود أعمى (يو 9).
لقد خلق له السيد المسيح عينين لم تكونا موجودتين من قبل. وخلقهما من الطين مثلما خلق الإنسان الأول. الطين الذى يضعونه فى عين البصير فيفقده البصر، وضعه السيد فى محجرى الأعمى فصار عينين. ويزيد هذه المعجزة قوة أن الرب أمر المولود أعمى أن يغتسل بعد ذلك فى بركة سلوام. والمفروض أن الاغتسال بالماء يذيب الطين، ولكنه على العكس أمكن هنا أن يثبت الطين العينيين فى المحجرين، ويربطهما بشرايين وأنسجة وأعصاب.. ولكل هذا قال الرجل المولود أعمى لليهود "منذ الدهر لم يسمع أن أحداً فتح عينى مولود أعمى" (يو 32:9).
هذا ويواجهنا سؤال لاهوتى هام وهو:

5- كيف يكون المسيح خالقاً، بينما الخلق من صفات الله وحده؟
لقد كان يخلق بقوة لاهوته، باعتبار أنه الأقنوم الثانى، عقل الله. إذن فهل هو الذى خلق الكون أم الله الآب هو الذى خلق الكل؟ إن الله الآب خلق العالم كله بالابن، خلقه بعقله، بفهمه بمعرفته، بكلمته، أى بالأقنوم الثانى. لذلك يقول الرسول "الذى به عمل العالمين"، به أى بعقله، بحكمته.


المسيح موجود فى كل مكان
1- يقول عنه يوحنا الإنجيلى "فيه كانت الحياة" (يو 4:1). والسيد المسيح قد أعطى الحياة هنا، وفى الأبدية وهذا عمل من أعمال الله وحده.

2- وقد أعطى السيد المسيح الحياة فى إقامته للموتى.

وذكر الكتاب المقدس ثلاث معجزات من هذا النوع.
أ- (مر 5: 22، 35-42) إقامة ابنة يايرس – وكانت مسجاه على فراشها فى البيت. وأهلها يبكون ويولولون كثيراً.
ب- (لو 7: 11-17) إقامة ابن أرملة نايين، وكان محمولاً على نعش فى الطريق. وجمع كثير من المدينة حوله.
ج- (يو 11) إقامة لعازر بعد موته بأربعة أيام، وكان مدفوناً فى قبره، وقالت أخته عنه أنه قد أنتن. والمهم فى هذه المعجزات الثلاثة أنها تمت بالأمر. مما يدل على لاهوته، وعلى أنه مانح الحياة، وسنعرض لهذا الأمر بالتفصيل عند حديثنا عن إثبات لاهوت المسيح من معجزاته.
3- ويكفى تعليقاً على معجزاته فى إقامة الموتى، قول السيد المسيح "لأنه كما أنه الآب يقيم الأموات ويحيى، كذلك الابن يحيى من يشاء" (يو 21:5). وهنا مساواة بينه وبين الآب، وأيضاً جعل منح هذه الحياة متوقفاً على مشيئته.

4- قال السيد المسيح عن نفسه إنه "الواهب الحياة للعالم" (يو 33:6)، باعتباره "خبز الحياة" (يو 35:6). وقال "أنا هو خبز الحياة"، "النازل من السماء"، "إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد"، "والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم"، "من يأكل جسدى ويشرب دمى، فله حياة أبدية، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير" (يو 6: 35-58).
وهذا الفصل السادس من إنجيل يوحنا يقدم المسيح كمعطى للحياة، من خلال سر الافخارستيا، تقديم جسده ودمه، وأيضاً من جهة قول المسيح "وأنا أقيمه فى اليوم الأخير" (يو 54:6).

5- وتحدث المسيح عن ذاته بأنه يعطى الحياة الأبدية، كما قال "خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى. وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد. ولا يخطفها أحد من يدى" (يو 10: 27،28). ونلاحظ هنا عبارة "أنا أعطيها".

6- كذلك منح الحياة الأبدية لكل من يؤمن به. فقال "لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية".

7- كذلك فى حديثه مع المرأة السامرية، شجعها أن تطلب منه "الماء الحى". وقال لها "من يشرب من الماء الذى أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية" (يو 4: 10-14). ونلاحظ هنا قوله مرتين "الذى أعطيه" على إعتبار أنه منه هذه العطية، التى هى الحياة هنا التى تنبع إلى حياة أبدية.

استنتاج:
لم يحدث مطلقاً أن إنساناً تحدث بهذا الأسلوب، الذى به يكون واهباً للحياة، ومعطياً لها، وأنه يعطى حياة أبدية، وأنه يحيى من يشاء. والذى يتبعه يحيا إلى الأبد، ولا يهلك، ولا يخطفه أحد من يده.. أنها كلها أعمال من سلطان الله.


المسيح هو الصالح القدوس
ليس أحد صالح إلا الله وحده:
1- يقول سفر المزامير "الكل زاغوا معاً وفسدوا. ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد" (مز 3:14)، (مز 3:53). وقد استشهد الرسول بهذه الآية فى رسالته إلى رومية (رو 12:3).

2- ويشهد القديس يوحنا الحبيب بنفس هذه الحقيقة فيقول "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو 8:1). وكذا إعترف القديسون أنهم خطاة. وبولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة قال "الخطاة الذين أو لهم أنا" (1تى 15:1). وقال "أما أنا فجسدى مبيع تحت الخطية.. وليس ساكن فىّ أى فى جسدى أى شئ صالح" (رو 7: 14،18).

3- وبينما البشر كلهم خطاة، يكون الله هو الصالح الوحيد، كما يقول الرب نفسه "ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله" (متى 17:19).

4- كذلك يقول الكتاب عن الله أنه قدوس، كما هتف له السارافيم "قدوس قدوس قدوس" (أش 3:6). وكما قالت العذراء "لأن القدير صنع بى عجائب، وإسمه قدوس" (لو 49:1).

هـ- بل أكثر من هذا أن الكتاب يحصر القداسة فى الله وحده، حسب الترنيمة التى قيلت له فى سفر الرؤيا "عظيمة وعجيبة هى أعمالك أيها الرب الإله القادر على كل شئ.. من لا يخافك يارب ويمجد إسمك، لأنك وحدك قدوس" (رؤ 15: 3،4). إذ وصلنا إلى هذه النقطة نضع أمامنا الحقيقة الثانية وهى:

المسيح قدوس وصالح:
1- إن الملاك يبشر العذراء ويقول لها "الروح القدس يحل عليك، قوة العلى تظلك. فذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى إبن الله" (لو 35:1).

2- وبطرس الرسول يوبخ اليهود بعد شفاء الأعرج، ويقول لهم عن رفضهم المسيح "ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل" (أع 14:3).

3- وبولس الرسول يتكلم عن السيد المسيح فيقول "قدوس بلا شر ولا دنس، قد إنفصل عن الخطاة، وصارأ على من السموات" (عب 26:7).

4- والكنيسة كلها صلت بعد إطلاق بطرس ويوحنا وقالت "إمنح عبيدك أن يتكلموا بكلامك بكل مجاهرة.. ولتجر آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع" (أع 30:4). أنظر أيضاً (أع 27:4).

5- ونفس الرب فى رسالته إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا يقول "هذا يقوله القدوس الحق الذى له مفتاح داود، الذى يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح" (رؤ 7:3).

6- وفى قداسة الرب يسوع، يبدو للكل وقد إنفصل عن الخطاة (عب 26:7). وأنه الوحيد الصالح. لذلك يقول لليهود متحدياً "من منكم يبكتنى على خطية؟‍.." (يو 46:8). ويقول عن الشيطان "رئيس هذا العالم يأتى وليس له فىّ شئ" (يو 30:14).

7- ويشهد الرسل عنه قائلين: "مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية" (عب 15:4). "ولم يعرف خطية" (2كو 21:5) و "ليس فيه خطية" (1يو 5:3). "والذى لم يفعل خطية، ولا وجد فى فمه مكر" (1بط 22:2).

8- وحتى الغرباء والأعداء شهدوا عنه نفس الشهادة: فيهوذا الذى أسلمه قال "أخطأت إذ أسلمت دماً بريئاً" (مت 4:27). وبيلاطس الذى حكم عليه قال "إنى برئ من دم هذا البار" (مت 24:27). وزوجته أرسلت إليه تقول "إياك وهذا البار.." (متى 19:27).

9- وحتى الشيطان شهد له قائلاً "أنا أعرف من أنت قدوس الله" (مر 24:1)، (لو 34:4).

10- وحتى شهود يهوه شهدوا له فى مجلتهم (برج المراقبة – عدد يونيو 1953 ص 69). فى الإجابة عن سؤال حول قول سليمان الحكيم "رجلاً واحداً بين ألف وجدت. أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد" (جا 28:7).

فقالوا: إن عدد ألف كناية عن الكمال، وألف رجل كناية عن جميع الرجال، وإن كان لم يوجد وسط جميع النساء إمرأه واحده صالحه بلا خطية، فقد وجد بين الرجال واحد فقط صالح هو يسوع المسيح "الوحيد من هذا القبيل الذى عاش على الأرض".

استنتاج:
1- إن كان ليس أحد صالحاً، إلا واحد فقط وهو الله. وقد ثبت أن المسيح صالح أو هو الوحيد الصالح، إذن هو الله. هذا الذى إنفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات.

2- وإن كان الله هو وحده قدوس (رؤ 4:15). وقد ثبت أن المسيح قدوس، إذن هو الله.

سؤال:
لماذا إذن حينما سأله الشاب الغنى أيها المعلم الصالح، أى صلاح أعمل لتكون لى الحياه الأبدية؟ أجابه: لماذا تدعوننى صالحاً. ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله (متى 19: 16،17).
الجواب:
هو أن اليهود اعتادوا أن ينادوا معلميهم بعبارة أيها المعلم، أو أيها المعلم الصالح. فالسيد المسيح أراد أن يسأل الشاب: هل هذا لقب روتينى تنادينى به كباقى المعلمين. إن كان الأمر هكذا فأعلم أنه ليس أحد صالحاً إلا الله وحده. فهل تؤمن أنى هذا الإله؟‍!
ولكن السيد المسيح لم يقل أنه غير صالح. بل فى مناسبة أخرى قال أنا هو الراعى الصالح (يو 11:10) كما قال "من منكم يبكتنى على خطيه" (يو 46:8).


المسيح هو الديان
الله وحده هو الديان:
أبونا إبراهيم فى شفاعته فى أهل سادوم، يلقب الرب بأنه "ديان الأرض كلها" (تك 25:18). ويقول داود فى مزاميره "الرب يدين الشعوب" (مز 8:7)، "يدين الشعوب بالاستقامة" (مز 10:96)، "يدين المسكونة بالعدل" (مز 13:96)، (مز 9:98)، "يارب إله النقمات أشرق. أرتفع يا ديان الأرض" (مز 2:94)، "تخبر السموات بعدله. لأن الله هو الديان" (مز 6:50). وفى الرسالة إلى رومية "يدين الله العالم" (رو 6:3).
وطبيعى أن الله يدين العالم، لأنه هو فاحص القلوب والكلى، وقارئ الأفكار، وعارف أعمال كل أحد. لذلك يدين بالعدل والاستقامة.

المسيح هو الديان:
1- يقول بولس الرسول "لأننا لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد، بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً" (2كو 10:5).

2- وقال الرب فى إنجيل متى "إن إبن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازى كل واحد بحسب عمله" (متى 27:16).

3- وقال أيضاً "ومتى جاء إبن الإنسان فى مجده، وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم عن بعض، كما يميز الراعى الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره ويقول.." (متى 25: 31-46)، ثم يشرح تفاصيل قضائه العادل: فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى، والأبرار إلى حياة أبدية".

4- ويقول عن نهاية العالم "يرسل إبن الإنسان ملائكته، فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلى الآثم، ويطرحونهم فى أتون النار.." (متى 13: 41،42).

5- ويقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس ".. الرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته" (2تى 1:4).

6- ويقول الرب فى سفر الرؤيا "وها أنا آتى سريعاً وأجرتى معى، لأجازى كل واحد كما يكون عمله" (رؤ 22: 13،14).

7- ولعل من أسباب قيامه بالدينونة، أنه يعرف أعمال كل أحد. وهكذا نجد أنه فى رسائله لملائكة الكنائس السبع فى آسيا، يقول لكل راعى كنيسة "أنا عارف أعمالك" (رؤ 2: 2،9،13،19)، (رؤ 3: 1،8،15). أنظر أيضاً (متى 7: 22،23).

إستنتاج:
فإن كان المسيح هو الديان، فإنه يكون الله، لأن الله هو الديان. وهو يفعل ذلك، ويحكم على أفعال الناس لأنه يعرفها. وأيضاً لقوله:

8- "فستعرف جميع الكنائس أنى أنا الفاحص الكلى والقلوب. وسأعطى كل واحد بحسب أعماله" (رؤ 23:2). إذن ليس هو فقط يعرف الأعمال، وإنما بالأكثر فاحص القلوب والكلى. وهذا يقدم لنا دليلاً آخر على لاهوته.