ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ

الرئيسية / ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ

ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ

يحتاج العالم هذه الأيام أن يرى في المسيحيين صورة مختلفة ، صورة المسيح ،مطبوعة فى كل اولاده ، وينجذب الناس بشدة لبعض الشخصيات المسيحية وتبهره بشدة متسائلا هناك سر فى هؤلاء الناس؟ لماذا هم دائما فرحون؟ لماذا هم دائما ناجحون؟ لماذا يحبون الناس هكذا؟ لماذا يكرهون الخطية بهذا الشكل ويحبون الطهارة ؟ ولكن … ترى هل كل الشباب حاليا هكذا ام هم قليلون؟ وكيف نكون نحن هكذا صورة شفافة للسيد المسيح؟ لا مسيحيين فقط دون المسيح … مسيحيين اسما وشكلا لا عمقا وسلوكا؟

لعل أكبر اتهام يوجه إلى شبابنا اليوم،هو الاتهام “بالسطحية”… ومع إحساسنا أن هذا اتهام فيه الكثير من الظلم، إلا أن فيه أيضاً بعض الحقيقة. أما الظلم فلأنه يتسم بالتعميم، فليس كل الشباب سطحياً، كما أن صغر السن، ونقص الخبرة الطبيعى، وأسلوب التعليم، ووسائل الإعلام والإنترنيت … الخ… كل هذه تجعل من الاتهام اجحافاً فى حق شبابنا. أما صدق الاتهام فينبع من سهولة عزوف شبابنا عن استعماق النفس، وتدارس التراث الروحى والفكرى، وسهولة انقياده للدنس أو الجريمة أو الادمان، وتكوين جماعات منحرفة دون إحساس بالذنب … إلخ.
من هنا نحتاج أن نغوص إلى العمق:
+ عمق النفس.
+ عمق فكره.
+ عمق الرروح.
+ عمق التراث.
+ عمق الفكر المعاصر.
+ عمق الإفراز والتمييز.
عمق الوصول إلى رؤيا صالحة لأنفسنا وأسرتنا وكنيستنا ومجتمعنا.

1- عمق النفس

هذا غوص هام، يجب أن نتعود عليه ، ففى أعماق النفس احتياجات كثيرة هامة ودفينة، تطغى عليها اهتمامات سطحية وزمنية زائلة…
فكل منا يهتم باحتياجاته البيولوجية: كالطعام والجنس، وباحتياجاته النفسية: كالحاجة إلى الانتماء، والحب، والتقدير، والنجاح… الخ.
ولكننا بحاجة أن نهتم باحتياجاتنا الفكرية: كالثقافة، واحتياجاتنا الروحية: كالخلاص والشبع الروحى، والخلود .
متى يغوص شبابنا إلى داخل نفسه وأعماقها؟!
إن الاحتياجات البيولوجية والنفسية هامة، ويمكن أن يشبعها الإنسان بطريقة متزنة وسوية. بل إن الإنسان المسيحى يستطيع بالمسيح الساكن فيه، وفعل روح الله القدوس، أن يشبع هذه الاحتياجات بصورة أفضل :
+هو يحتاج إلى الطعام… ويرى الصوم ضرورة روحية بناءة!!
+ويحتاج إلى الجنس… ولكن فى جهاد وطهارة وقداسة!!
+ويحتاج إلى الانتماء… فينتمى إلى أسرته وكنيسته ومسيحيته ووطنه والجنس البشرى عامة!!
+ويحتاج إلى الحب… وبالمسيح يحب الجميع ويحبه الجميع!!
+ويحتاج إلى التقدير… فهو شخصية متزنة وديعة قوية!!
+يحتاج إلى النجاح… إذ يسير مع الله ويثابر والرب ينجح طريقه!!

2- عمق الفكر

نحتاج لكى نتعمق فكريا أن نقرأ !!
وفى تجربة أمريكية شهيرة وموثقة، أن مجموعة من العائلات أغلقت التليفزيون نهائياً، بقنواته التى تعمل 24 ساعة يومياً، لترى نتيجة ذلك على سلوك هذه الأسرات، فوجد الدارسون أن نتيجة التجربة كانت كما يلى:
أ- بدأ الشباب والفتيان يقرأون الكتب.
ب- ترابطت الأسرة بصورة أفضل.
ج- تزاورت هذه الأسرات مع بعضها.
إذن فالأثر هنا كان : فكرياً، عائلياً، واجتماعياً!!
لسنا نقصد غلق التليفزيون والأنترنيت ووسائل الإتصال الحديثة نهائيا التى اصبحت الشغل الشاغل للأغلب الشباب من كمبيوتر لموبايل ، فلكل وسيلة سلبياتها وايجابياتها
ولكن وجدنا أن مواجهة سلبيات وسائل الاعلام والإتصال تأتى كما يلى:
أ- اشباع روحى: يجعلنى قادراً على الإفراز والتمييز بين البرامج،والمواقع،الأصدقاء على شبكات التواصل الإجتماعى، وانتقاء المناسب والمفيد منها.
ب- اشباع ثقافى: يملأ ذهنى بقضايا مهمة، تجعلنى قادراً على النقد والاختيار الايجابى، وليس الخضوع “للترويح السلبى“، الخطير الأثر على عقولنا جميعاً.
ج- القدرة على الاختيار: فالشبعان روحياً وثقافياَ يستطيع الإفراز والنقد والتمييز، فيختار ما يراه بناءً ويرفض ما يراه تافهاً أو هداماً فإن “النفس الشبعانة تدوس العسل ” (أم7:27).
أما اذا واجهتنا مشكلة ارتفاع أسعار الكتب، فمكتبات الاستعارة فى كل مكان، ومسابقات القراءة الصيفية أمام الجميع: نرجو أن نستفيد منها… كما يمكن اشتراك مجموعة من الشباب فى تبادل الكتب الجديدة والهامة: كنسية وثقافية، إذ يشتروا معاً الكتب، ويتبادلوا قراءتها، ويحتفظ كل منهم فى النهاية بنصيب منها،مكونا مكتبة صغيرة خاصه به أو باسرته.

3- عمق الروح

فى أعماق الإنسان حاجات ثلاث جوهرية، قلَّما انتبهنا إليها كشباب، بسبب اندفاعنا نحو الحياة الزمنية، وهذا أمر طبيعى، لكن ينبغى أن اهتمامهنا بتكوين مستقبلنا المادى، لا يكون على حساب اهتمامنا بمستقبلنا الروحى: هنا وفى الأبدية!! إذ “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أو ماذا يعطى الإنسان فداء نفسه؟! (مر36:8).
أ- الروح تحتاج إلى الخلاص
بمعنى أن الخطيئة تزعجها وتلوثها!! ويحتاج الانسان – ككيان متكامل – أن يتخلص من عبودية الخطيئة، وحكمها بالموت، وبصمتها السلبية!! ونحن نشكر الرب يسوع لأنه أعطانا ويعطينا هذه البركات:
+ فالمعمودية تخلصنا من الخطية الجدية والفعلية.
+ والميرون يجعل روح الله يثبت فينا.
+ التناول يجعلنا نثبت فى المسيح، والمسيح يثبت فينا.
+ والتوبة تجديد لكل هذه البركات.
لذلك فمسكين من لا يتوب ويعود إلى الرب، إلى بيت الآب، حيث الخلاص والقداسة والشبع… حيث سكنى الله فى الإنسان بنعمة وفعل روحه القدوس!!
وطوبى لنفس تحرص على فحص أعماقها، واكتشاف ضعفاتها فى نور المسيح والإنجيل والأب الروحى، وتجاهد تحت إرشاد روحى لتتخلص منها جميعاً!!
أ-والروح تحتاج إلى الشبع
فهى كجزء من الكيان الإنسانى لها غذاؤها، الذى لا تغتذى بسواه، أقصد الشركة مع الله: فى الصلاة، والإنجيل، والأسرار المقدسة، والقراءات، والاجتماعات، والخدمات الروحية…
  • فإذا كان العقل غذاؤه الثقافة.
  • والنفس غذاؤها الترويح والتسامى.
  • والجسد غذاؤه الطعام والرياضة والراحة والنوم.
  • فالروح غذاؤها عشرة الله!!

4- عمق التراث

خطير أن يعيش الانسان بلا جذور!!
هذا ضد الانتماء!!
وضد الاستفادة من ثروة وخبرات قديمة وفكر أصيل !!
وضد النمو الطبيعى للشجرة الإنسانية، فالحاضر نتاج الماضى، واستيعاب الماضى مهم للمستقبل!!
بل إن هذا ضد “روح العصر” الذى تحرص على كل قديم حتى ولو كان بيتاً عمره 150 سنة، أو شجرة فى حديقة يملكها إنسان ولا يستطيع أن يقطعها إلا لظروف قهرية وبتصريح من البلدية!!
إن التراث هو القاعدة الخرسانية المسلحة، وبعض الأدوار، ويستحيل أن نبنى أدواراً جديدة دون دراسة دقيقة للقواعد، وما فوقها حتى تاريخنا هذا!!
من هنا كانت أهمية :
1- دراسة تاريخنا الكنسى.
2- دراسات الآباء.
3- دراسة اللغة القبطية.
4-الحفاظ على الألحان الكنسية.
5-الفن القبطى.

5- عمق المعاصرة

وأقصد بها ضرورة أن نعى روح العصر، والثقافات المتاحة فيه، وحركات الفكر،فليس مطلوباً من الشباب المسيحى أن يظل مغلقاً على نفسه، غير شاعر بدوره المطلوب فى المجتمع والوطن والإنسانية!!
الشاب المسيحى إنسان فى الأساس، يختلط مع زملائه فى الدراسة والعمل والشارع والوطن، يؤثر ويتأثر، يتفاعل ويفعل، له دوره وخدمته، ينشر المحبة، ويقدم الخدمة، ويشهد بأعماله وقدوته المسيح، والمسيح الساكن فيه!!
من هنا كان اعتزال الحياة الاجتماعية والوطنية والسياسية، ولو على المستوى النفسى لا الفعلى، اتجاه غير مسيحى!! فالمسيحية تنادينا: “أنتم نور العالم” (مت14:5)، “أنتم ملح الأرض” (مت13:5)، “يرى الناس أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات” (مت16:5).
حتى الأسقف، تطلب منه الكنيسة أن يكون له “شهادة من الذين هم من خارج” (1تى7:3).
إذن: أ- فلابد من التفاعل الاجتماعى فى الدراسة والعمل والسكن.
ب- لابد من دراسة التيارات الفكرية والسياسية المعاصرة.
ج- لابد من الانضمام للأحزاب والمساهمة الأمينة خدمة للوطن.
ء- لابد من استخراج البطاقة الانتخابية والإسهام بدور بناء فى هذا المجال.
هـ- لابد من استيعاب لتاريخ كنيستنا من منظوره الوطنى، فكنيستنا تمسكت بقضايا اللاهوت والعقيدة، تماماً كما تمسكت بوطنيتها ورفضها للاحتلال السياسى والفكرى للوطن.
و- بناء جسور الثقة والمحبة داخل الوطن درءاً لروح الفتنة وحفاظاً على وحدة الوطن.
مجرد خطوط لبرنامج ضخم نحتاجه فعلاً…
6- عمق الإفراز والتمييز
مع حرصنا الكبير ألا ينزلق شبابنا حديثى الخبرة فى سلبية تيارات معاصرة: أخلاقية وفكرية واجتماعية… إلا أننا يجب أن نبنى ضمائر وعقول شبابنا، بطريقة تجعله قادراً على الإفراز والتمييز والانتقاء!!
من هنا يكون واجبنا:
أ- تربية الضمير: من خلال قلب تائب، محب للمسيح، متعمق فى الخبرة الروحية، دارس للإنجيل والآباء والطريق الروحى، له أب روحى، مثابر على الجهاد ضد الخطيئة، مستنير بروح الله القدوس وفكر الإنجيل، حساس لحركات روح الله داخله حين يحذره من خطيئة، أو مجلة، أو كتاب، أو صديق، أو فكرة، أو فيلم… حساس للخطيئة بكل صّورها: بالفكر، والفعل، والعلاقة… إلخ.
ب- تربية الفكر : ليكون فكراً راسخاً وهو ما قال عنه الرسول بولس: “أما نحن فلنا فكر المسيح” (2كو16:1)، وهكذا يستطيع أن ينفذ وصية الإنجيل “مستأثرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (1كو5:10). فالعقل المستنير بالروح، المتحد بالمسيح، الدارس للكلمة، المستوعب لمزالق طريق الروح، الفاهم قضايا العصر واتجاهاته الايجابية والسلبية، المميز بين الخطأ والصواب فى ثقافة المحيط به… هو بلا شك عقل شباب ناضج قادر على التمييز، الاختيار، والرفض!!

7- عمق التفكير فى رؤيا المستقبل:

المستقبل-عند الإنسان عموماً والشباب خصوصاً-هو المستقبل الزمنى، وهذا حقه!! ولكن ماذا عن المستقبل الأبدى، والمصير النهائى للإنسان؟! ألا ينبغى أن يتحد المستقبلان معاً، ليصيرا مستقبلاً واحداً، بهيجاً ومبهجاً؟!
لماذا هذا الفصل بينهما؟! هذا افتعال ليس من روح الإنجيل، بل هو – بالقطع – من إيحاءات عدو الخير، حتى ينشغل الإنسان بالأرض وينسى مسئوليته نحو مستقبله الأخروى!!
من هنا كان لابد أن نتمتع بهذه الرؤيا الشاملة … لم يعد لدى المؤمن تفريق بين شئون الأرض والمصير الأبدى… بل إن المؤمن يحيا الأبدية منذ الآن، فالحياة الأبدية فى مفهومها الانجيلى تكمن أساساً فى التعرف على السيد المسيح، مخلصنا الصالح، وهذه هى كلمات الرب يسوع بفمه الطاهر عن هذا الأمر، قال: “وهذه هى الحياة الأبدية، أن يعرفوك، أنت الإله الحقيقى ويسوع المسيح الذى أرسلته” (يو3:17)، ومعرفة السيد المسيح له المجد هى الطريق الوحيد لمعرفة الإله الحقيقى، لأنه ابن الله، وكلمة الله، والمتجسد لخلاصنا وتعليمنا…
من هنا يكون التفكير فى “المستقبل” بمعناه الشامل الواسع، هو التفكير فى الحياة على الأرض، حياة مسيحية مقدسة تمهد لحياة سماوية سعيدة. وأى تفكير يكتفى بالأرضيات ينتهى بنهاية الأرض، ونهايتها قادمة لا محالة، وإن لم تشهدها عيوننا، فنهايتنا نحن قادمة لا محالة، بالانتقال من هذا التراب، والاتجاه نحو الحياة الآخرة.
والإنسان العميق، يفكر فى مستقبله على هذا الأساس. نعم هو لا يكف عن الاهتمام بحياته الأرضية، من جهة :الدراسة والعمل والسكن والزواج والأطفال والحياة الطيبة، ولكنه يفكر فى ذلك:
  • بأسلوب مسيحى مقدس.
  • بأمانة لمبادئ الإنجيل.
  • باهتمام بحياته الأبدية.
  • بروحانية تجعله يتسامى فوق المادة.
وهذا لا يتأتى إلا من خلال حياة مسيحية مقدسة، تتخذ من انجيل الرب دستوراً لها، ومن روحه القدوس هادياً وقائداً، ومن مسيحها المبارك مخلصاً وفادياً ونصيباً، ومن الأبدية وطناً نهائياً خالداً…
هذه بعض ملامح العمق الذى نتمناه لأنفسنا ولكم ياشبابنا المبارك…كلما تعمقنا فى حياتنا الروحية كلما نصطاد سمكا كثيرا ، كلما امتلأنا بالروح القدس وأثمرنا وصرنا شجرة مثمرة يستظل تحتها كل من يتعامل او يتقابل معنا يرى فينا صورة المسيح النقية الطاهرة الجذابة فيسعى هو أيضا للتمتع بمعرفة المسيح والبحث عنه ، فهيا جميعا ابعدوا الى العمق .
مشاركة المقال