الأسرة وتكوين الشخصية – لنيافة الأنبا موسى الأسقف العام

الرئيسية / الأسرة وتكوين الشخصية – لنيافة الأنبا موسى الأسقف العام

الأسرة – والأم بالذات – هى المؤثر الأساسى فى شخصية الإنسان. ويكفى أن نذكر هنا كلمات معلمنا بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِى فِيكَ، الَّذِى سَكَنَ أَوَّلاً فِى جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِى، وَلَكِنِّى مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضاً” (2تى 5:1). وكأن الإيمان يورث، فتيموثاوس ورث الإيمان عن أمه، وأمه ورثته عن جدته. ومفهوم طبعاً أن الوراثة هنا ليست وراثة تلقائية، بل هى وراثة التأثير والتربية والعشرة الحسنة. فالطفل حينما ينشأ فى أسرة تقف أمام الله للصلاة كل يوم، ينشأ فى جو تأثيرات الصلاة، ويتعلم حياة الشركة مع الله والقديسين، ولا ينام – مهما تقدمت به الأيام – دون أن يقف أمام الله للصلاة. والطفل الذى لم يسمع من والديه سوى كلمات النعمة والبنيان، لن ينشأ شتَّاماً أو غضوباً أو منحرفاً.

ومعروف علمياً أن مرحلة المهد، فى السنة الأولى والثانية من عمر الإنسان، يسميها العلماء: “مرحلة الثقة”، إذ ينشأ الطفل فى حضن أمه يشبع من اللبن المادى، ومن الحنان الوجدانى، بل من التأثيرات الروحية الإيمانية فى آن واحد. فالأم تنقل إلى الطفل مجموعة أغذية أثناء إرضاعه واطعامه، نذكر منها :

1- الغذاء المادى : من خلال اللبن… أثمن غذاء فى حياة الطفل.

2- الغذاء الوجدانى : من خلال
حنان الأم.. حينما تحتضن
الطفل، وتقبله، وتبتسم فى وجهه بحب شديد.

3- الغذاء العقلى : حينما تعلمه شيئاً فشيئاً الكلام ومعانى الأشياء.

4- الغذاء الروحى : حينما تعلمه الإيمان فيتعرف على الرب يسوع والقديسة العذراء، والكنيسة، والكاهن، والتناول.

5- الغذاء الإجتماعى : حينما يتلقفه الأهل فى محبة وتعاطف، الأب والأخ والأخت الأقارب والأصدقاء…

وهكذا تتربى لدى الطفل “الثقة” أى أنه ينشأ واثقاً من أنه “محبوب ومرغوب فيه” (Wanted)، فتكون نفسيته سوية، غير عدوانية، متعاطفة ودودة، إجتماعية، مبتسمة، وفى سلام. أما الطفل الذى نلقيه إلى “الشغالة”، أو يلقيه هذا إلى ذاك فى نفور وعدم اهتمام وبدون حنان، فينشأ خالٍ من الثقة، ويحس أنه “غير مرغوب فيه” (Unwanted)، مما يجعله فى المستقبل شخصية عصبية، متوترة، وعدوانية، وساخطة على المجتمع، ترى فى كل إنسان عدواً لها.

المذبح العائلى 

من هنا نلح على كل أسرة أن يكون لها المذبح العائلى، أى فرصة الصلاة المشتركة، ونقترح أن يكون ذلك بعد العشاء، حينما يجتمع أغلب أفراد الأسرة، فيقفون لصلاة بسيطة جماعية مثل: أبانا الذى، وصلاة الشكر والمزمور الخمسين..

ثم يتقدمون إلى خطوة أخرى فيصلون صلاة النوم، ثم يطلبون من أحد أبناء الأسرة أن يقرأ لهم إصحاحاً فى الإنجيل.

وفى خطوة ثالثة يتفقون على التناول المشترك مرة كل شهر…

وهكذا تترابط الأسرة فى المسيح، وينشأ الأطفال فى جو من السلام والمحبة والتماسك.

الشخصية والمشاكل الأسرية

يتصور الآباء والأمهات أن المشاكل التى تحدث بينهم فى المنزل، ليست لها أية آثار فى حياة وشخصيات أولادهم.
ولا أنسى يوماً كنت أحاول فيه إقناع زوجة بالصلح مع زوجها وكان معها بعض أقاربها، وكان طفلها يجئ كل
بضع دقائق لكى يستريح فى حضنها، ولكنها كانت منفعلة جداً، فكانت – هى وأقاربها – يحاولون إبعاد الطفل بأساليب كثيرة ليدخل إلى حجرة أخرى، ولكن
دون جدوى…

إن هذه الأمور يستحيل أن تعبر على الطفل، تلك النفسية الشفافة البريئة، فلقد أخذ الطفل يصرخ دون توقف، متضايقاً من هذا التجاهل وهذه الإنفعالات الحادة.

ولا أنسى أسرة ذهبت لزيارتها، وكانت أسرة مسيحية من الطراز الأول، نشأ الأولاد فيها فى سلام وقداسة ومحبة، ومشبعين بروح الصلاة وشركة الأسرار المقدسة. جاءت قريبة لهم تشكو زوجها بانفعال شديد. فإذا بالطفلة الصغيرة فى الأسرة تختبئ فى حجر أمها وتقول لها: “ماما.. اجعلى هذه السيدة تمشى من هنا”.. نعم.. فهى لم تتعود على هذا الصياح والهياج والعنف.

أما عن “مرحلة الطفولة المبكرة”
وما تتسم به من حب لتقليد الوالدين، فهى مرحلة خطيرة جداً إذ تكمن فى هذا الطفل (من 3-5 سنوات) بذور شخصيته كرجل.. فإذا ما نشأ الطفل فى جو مسيحى، صار إبناً للرب وللكنيسة.. أما إذا نشأ فى جو يسوده التدليل والعاطفة الشديدة، نشأ تابعاً لأبيه أو أمه دون استقلال لشخصيته، فتراه – وهو رجل كبير فيما بعد – مرتبطاً بأسرته أو بأمه بصورة مريضة.. أو تراها عروساً مرتبطة بأمها، وأمها مرتبطة بها بصورة تدمر حياتها، وبيتها الجديد.

أما إذا نشأ الطفل فى جو تسوده القسوة، فسوف ينشأ عدوانياً، يكره كل من حوله.. وإذا نشأ فى جو يسوده الإنقسام والتناقض، نجد أنه يقتنى شخصية مضطربة غير سوية.. فهو يرى الخلافات حوله فى كل يوم، فيكره الحياة الأسرية، وأحياناً يكره الزواج، وتصير شخصيته غير سليمة.

من هنا يجب أن يلتزم الوالدان بما يلى :

1- الترابط العائلى : وسيادة روح المحبة المسيحية فى الأسرة.

2- التربية المتوازنة للأولاد : فلا قسوة ولا تدليل، ولا تناقضات وانقسامات وخلافات، ولا قسوة أب وتدليل أم.. وهكذا.

3- الفهم السليم لمراحل الأولاد : فطفل الإبتدائى يحتاج إلى
الحب، وفتى الإعدادى يحتاج إلى الإيمان، وشاب الثانوى يحتاج
إلى التوبة والعشرة مع الله،
وفى الجامعة ينبغى أن يكون
قد صار خادماً ناضجاً..
وحينما يختار شريكة حياته أو
يتخذ قرارات المستقبل يحتاج إلى الحوار والتفاهم.

4- القدوة الشخصية : إذ يستحيل
على الأب المدخن أن يقنع إبنه
بعدم التدخين. وأمامنا مشكلة الإدمان وكيف تهوى إليها الشخصيات المتوترة والمضطربة.

ليت الرب يقنع كل أسرة بضرورة سيادة الرب على حياتها، وفكر الإنجيل على تصرفاتها، والإنتماء الكنسى على سلوكياتها.

مشاركة المقال