الإيمان والإلحاد من منظور مختلف – بقلم/ عمانوئيل يونان الريكاني

الرئيسية / الإيمان والإلحاد من منظور مختلف – بقلم/ عمانوئيل يونان الريكاني

لا يخفى على احد أننا نعيش في عصر تتلاطمه أمواج الإلحاد والإيمان وتتقاذفه حمم المادة والروح فحضارتنا المعاصرة حلبة للصراع بين القيم المادية التي تحاول تشييء الإنسان (أي تحويله إلى شيء من الأشياء) والقيم الروحية التي تعتبر الإنسان أكثر من المادة أو شيء انه روح دون إنكار البعد المادي فيه وبتفاعل هذين البعدين فيه الروحي والمادي تكمن هويته الإنسانية وتنتعش حضارته، سنحاول استعراض سريع على تعريف الإلحاد المعاصر وتاريخه وموقف الملحدين من الدين وخطورة أفكارهم على الإنسان والحضارة مع زيف ادعاءاتهم بالتناقض المزعوم بين العلم والدين بالإضافة إلى وجه الإلحاد الايجابي ودوره في تنقية الإيمان.

الجذور التاريخية للإلحاد المعاصر :

الإلحاد أسلوب في الحياة قاعدته الأساسية إنكار وجود الله ونقطة انطلاقه الجوهرية رفض الدين ومعطياته لان الدين حسب هذه النظرة يعتبر من رواسب عقلية خرافية أسطورية عفا عليه الزمان، ومن بقايا ذهنية غيبية ميتافيزيقية تبددت أمام ضياء العقل ونور العلم . لقد كان الدين على مر العصور وفي مختلف المجتمعات عائقا أمام التقدم والتطور ومصدر للاستغلال والجهل والتعصب والتخلف وبسببه نشبت النزاعات والحروب بين الأفراد والجماعات والمذاهب الدينية وحتى الدول .وله اليد الطولى في إشاعة الفقر والظلم واليأس والشقاء في المجتمع البشري مما ترك أثار سلبية على حياة الإنسان الفكرية والاجتماعية والنفسية .

تعود جذور الإلحاد المعاصر إلى النزعة الإنسانية التي فجرها عصر النهضة حيث أصبح الإنسان مركز الثقل بعد أن أزاح الله نقطة الارتكاز في حضارة القرون الوسطى ، والنهضة العلمية والفكرية في القرن السابع والثامن عشر التي حمل لواءها أرباب العلم ورجال الفكر : غاليلو ـ كوبرنيكوس ـ ديكارت ـ مونتاني ـ فولتير وآخرين غيرهم مما دعو إلى الاحتكام لسلطان العقل ونبذ الأفكار المسبقة وكسر القوالب الجاهزة المصنوعة في عالم الأوهام ، وكانت لبعضهم أفكار معادية للدين ، وان هذا التحول الحضاري والاجتماعي في أوربا كان بمثابة الأرض الخصبة التي نبتت فيها شجرة الالحاد والتربة الطرية التي منحته القوة والحيوية وهكذا غزى الاتجاه الجديد عقول ونفوس العامة والخاصة ككرة الثلج كلما تدحرجت زادت كتلتها وكبر حجمها  وفي القرن التاسع عشر استفحل الإلحاد وقويت شوكته على أيدي أساطين هذا الاتجاه : نيتشه وماركس وفرو يد .وأصبح (موت الله )الشعار الذي يحرر الإنسان من العبودية وينطلق به نحو آفاق السوبرمان / نيتشه والذي يقضي على الاستلاب /ماركس والدواء الناجع لمرضى العصاب الجماعي /فرويد هذه هي

باختصار الخطوط العريضة للإلحاد وموقف الملحدين للدين .

الألحاد إيمان العصر :

إن الهيمنة المادية والعلمية على الفكر تعتبر من سمات حضارتنا المعاصرة فالفلسفة المادية والعقل العلمي المتطرف “العلوية ” يعتبر التجربة والملاحظة هو الدليل الوحيد على حقيقة الأشياء والوجود المرئي والمحسوس هو الشكل الوحيد للمعرفة وكل ماعدا ذلك ليس له قيمة أو معنى ،إن هذه النظرة تقود حتما إلى الإلحاد لان الله والروح لا تخضع حتما إلى هذه المقاييس لذلك يعتبر الإلحاد الابن الشرعي للمادية ففصيلة دمهما واحدة وهي نكران وجود الله والروح في الإنسان .لذلك تفشى الإلحاد وبشكل واسع وأصبح ” أيمان ” لكثير من الأفراد والمجتمعات .وبسبب الانتصارات الساحقة والانجازات العظيمة التي حققها العلم في كافة ميادين الحياة العلمية والتكنولوجية والطبية والتي أبهرت الإنسان وأفقدته صوابه مما جعله يفتح باب حياته على مصراعيه لاستقبال هذا البطل الأسطوري الذي يحقق له أحلامه وأماله ويعيد أليه فردوسه المفقود ولذلك انحصر الدين وضعف نفوذه بالإضافة إلى شكل الحياة الحديثة التي فرضت نفسها على الإنسان فالتنظيمات الاصطناعية كالمكتب والنقابة والحزب ابتلعت كل وقته وتفكيره وعدم استيعاب المؤسسة الدينية لهذه المتغيرات التي تمثل نواة الحياة الحديثة وفقدان الاتصال والتخاطب بلغة مفهومة أدى إلى اتساع الفجوة بين الدين وواقع الحياة بكل متطلباتها ومشاكلها وهكذا تراجع الدين على هامش الحياة وفقد تأثيره على الناس .وعلى اثر هذه النشوة العلمية التي ارتشف من كأسها حتى الثمالة رفع راية التمرد والعصيان على الله والقيم الروحية وجعل من نفسه قاعدة ومقياس كل شيء فأصبح خالق القيم ومبدع المعاني دون أي مرجعية إلهية ،إن طغيان القيم المادية على الحياة العصرية والأفكار الهدامة التي روجت لها بعض الأيديولوجيات الملحدة المدمرة طمست هوية الإنسان ونحرت شخصيته باسم صنم أخر هو العلم والتقدم وحولته إلى آلة أو موضوع أو رقم وان انحسار القيم الروحية والإنسانية أدى إلى انحرافات خطيرة مزقت جسم المجتمع الإنساني ، من منا لا يتذكر مأساة هيروشيما وناجازاكي وحروب هنا وهناك والإرهاب والقتل والإباحية الجنسية والإجهاض وغيرها من الأمراض التي دقت ناقوس الخطر النهائي وشكلت خطرا جسيما على مستقبل الحضارة الإنسانية وان إنقاذ الحضارة يكمن في داخل الإنسان ففي أعماقه توجد بذور الحياة والموت وفي أحشائه يحمل الأمل والدمار .

الدين والعلم وجهان لعملة واحدة :

لقد زعمت الماركسية إن الدين والعلم لا يمكن أن يلتقيا وتصور كثير من رجال الفكر والثقافة إن هناك تناقض بين الدين والعلم واوجدوا بينهما فجوة يصعب اجتيازها وهاوية يستحيل عبورها وهكذا أصبح في نظر هؤلاء قطبين متعارضين وعدوين لدودين بقاء احدهما مرهون بزوال الآخر .إن هذه النظرة لا يقبلها المنطق السليم ولا تصمد أمام النقد العلمي الرصين إنها وليدة أيديولوجية تسخر العلم لخدمة تصوراتها الخاطئة فالدين لم يكن أبدا ضد العلم والإيمان لا يلغي العقل “امن لتفهم وافهم لتؤمن” إن كلا من العلم والدين هدفهما واحد وهو البحث عن الحقيقة التي هي ضالة الإنسان لتحقيق إنسانيته وسعادته لكن لكل منهما مجاله وحدوده وخصوصياته ولنا شهادة كثير من العلماء من مختلف الاختصاصات لهم إيمانهم الديني بالرغم من مكانتهم العلمية ، لقد تساءل احد أدعياء العلم كيف تؤمن بالله وأنت على ما أنت عليه من العلم فأجاب باستور كلما توغلت في غمار العلم زدت أيمانا بالله إذ لا سبيل إلى فهم شيء من هذا الوجود بدون وجود الله .لقد قال ماكس بلانك مكتشف فيزياء الكم يقودنا العلم إلى حد يقف أمامه حائرا لا يدري إلى أين يتخطى وان العلم والدين لا يتناقضان أبدا بل هما خلان يكمل احدهما الآخر وآخرين غيرهم لا مجال لذكرهم .إن الحضارة تتكامل وتتفاعل بتبادل المعنى الذاتي والموضوعي معا فالبعد الذاتي هو الذي يعطي للحياة قيمة والبعد الموضوعي هو نقطة الارتكاز وأداة لتوجيه حياة الإنسان والحضارة نحو التقدم والارتقاء .نقول للمؤمنين والملحدين إن إمكانيات العقل وقدرات العلم تقف عاجزة أمام لغز الكون وسر الوجود وتنطلق من أعماق النفس الإنسانية مشاعر الدهشة والتعجب ترتل بخشوع وإيمان مع القديس أوغسطين ( انك خلقتنا ياالله وصنعتنا وقلبنا في قلق مستمر إلى أن يستريح فيك )

الألحاد ملح الأيمان :

لا ينكر احد إن الدين كان أداة استغلال وسيطرة بيد بعض رجال الدين لاستعباد وإخضاع وخداع الضعفاء والسذج من الناس أما لتحقيق مكاسب مادية أو أهواء شخصية أو نزولا عند رغبة بعض الحكام وذلك في ظل غياب الوعي الديني والثقافي لدى الناس .إن وجه الإلحاد الايجابي يكمن في محاربته الأوهام والخرافات وذلك من خلال احترامه العقل البشري والحرية الإنسانية من هنا لعب دورا عظيما في تنقية الإيمان “كما إن الإيمان الزائف الحاد عملي لأنه

يزيح الله باسم الله هكذا فالإلحاد بالعكس يقترب على قدر أصالته من الإيمان الحق ، وقد قال ديستويفسكي ” إن الإلحاد الكامل يقف في أعلى السلم على الدرجة قبل الأخيرة قبل الإيمان الكامل لأنه برفضه الأصنام يسعى ضمنا نحو المطلق الإلهي “ويقول القديس يوستينوس الشهيد 165م بهذا الصدد” يدعوننا ملحدين وبالفعل نحن ملحدين بالنسبة لتلك الآلهة المزعومة ولكن نؤمن بالإله الحقيقي ” لا يمكن أن يوجد داخل أي مجتمع وفي أي شخص إيمان حقيقي إن لم يكن هناك الحاد حقيقي .إن الخطيئة الأصلية للأيديولوجيات الملحدة ” كالماركسية “كان عدم تمييزها بين الدين والفكر الديني بين ماهو مطلق وماهو نسبي خاضع لحركة التاريخ هذا كان احد أسباب هجومها على  الدين . إن فساد بعض رجال الدين لا يعني فساد الدين كما إن تلوث المياه لا يعني إن الماء غير صالح بطبيعته للحياة ،إن موقف الملحدين المضاد للدين في أكثر الأحيان موجه إلى الدين في مرحلة تاريخية معينة والى اله ثقافة وحضارة بائدة وليس إلى الإله الحقيقي لأنه كثيرا ماتشوهت صورة الله الحقيقية بامتزاجها بالخرافات الشخصية والمعتقدات الشعبية التي عملها الناس .إن الإنسان كائن واع وحر وسيد المعنى ويعلو على تحديدات المادة الضيقة ويفلت من قبضة العلم الخانقة فكرامته الإنسانية تكمن في أعماقه المتعطشة إلى المطلق والميل الديني الأصيل المنغرس فيه نحو الله لان الله مبدأ أساسي في حياة الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنه فاستحالة الحياة بلا دين كاستحالة الحياة بلا قلب فبدون الله يتحول الإنسان إلى حزمة من الأعصاب والشرايين لا روح فيها ولا حياة . إن الإيمان الديني من مقومات الذات الإنسانية ومقياس للنضوج الشخصي والكمال الإنساني وهو العصب الحيوي المغذي لقيام حضارة إنسانية أصيلة وحقيقية تخاطب الإنسان بكافة أبعاده الروحية والمادية والنفسية والاجتماعية   لتنطلق بها نحو الارتقاء والنهوض والتقدم .إن كل مظاهر التشتت الروحي والتوزع النفسي التي نراها في عالم اليوم هي مؤشرات على ضعف الإيمان الديني وعدم الاكتراث بالجانب الروحي من الحياة هذا إن دل فانه يدل على ما للدين من دور فعال في إصلاح حياة الأفراد والمجتمع ورفع مستواهم الأخلاقي والإنساني والروحي مع الضبط الاجتماعي وخلق الاتزان والانسجام مع الذات والآخرين والعالم .

 

 

مشاركة المقال