الحوار لماذا وكيف؟ – لنيافة الأنبا موسى

الرئيسية / الحوار لماذا وكيف؟ – لنيافة الأنبا موسى

الحوار…لماذا؟

هو لغة الله، التى أستعمله مع لغة الحكماء.. فهو يكشف مكامن النفس واحتياجات وتساؤلات ومشكلات الإنسان.

الحّوار يهدف إلى تفجير الطاقات الذهنية والروحية والإبداعية فى المخدومين.. ولكى يكون الحوار ناجح لابد من :

– عمل الروح القدس، الأسلوب المنطقى، والمنهجية العلمية.

الحّوار هو لغة الله، التى أستعملها مع الإنسان – عبر الدهور – من خلال الأنبياء. أو فى حديثه مع الأنبياء.. ونذكر هنا حواره مع أدم وحواء فى الجنة: قبل وبعد السقوط.. وحواره مع إبراهيم حول سدوم وعمورة..

وفى العهد الجديد كان الرب يسوع يستخدم أسلوب الحوار باستمرار.. كما فعل مع نيقوديموس والسامرية ونثنائيل وذكا ومريم ومرثا وبطرس، وحتى يهوذا الخائن.. لذلك دُعىّ تلاميذ المسيح بالحواريين.. بل أستخدم لغة الحّوار مع جموع اليهود، حينما تحدث معهم عن الجسد والدم (يو 6) أو الحرية الحقيقية (يو 8)..

كذلك فالحوار هو لغة الحكماء.. فقد قيل عن سقراط أنه حينما رأى أحد تلاميذه لا يحاوره
ولا يتحدث إطلاقاً قال له: “تكلم يا أبنى حتى أراك” فالحوار يكشف مكامن النفس وإحتياجات وتساؤلات ومشكلات الإنسان، كما أنه يصل بالإنسان إلى معرفة الرد والحلول والاقتناع بذلك والتنفيذ فى حياته.

والحّوار أيضاً هو لغة العصر.. فالآن تتجمع المعلومات، وتطرح الأفكار على مستوى مجموعات العمل الصغيرة، لنصل إلى الرأى السديد.. بل أيضاً تطرح القضايا الهامة على الشعب كله من خلال وسائل الإعلام المختلفة، ليدور حولها حوار

قومى، بغية الوصول إلى رؤيا أوضح للمستقبل، وحلول أفضل لمشاكل الوطن.

كذلك فالحّوار هو لغة التواصل.. فالحديث من جانب واحد هو (إملاء) ولا يُحدث نوعاً من الاحتكاك والتفاعل. والرب لا يتكلم فقط من خلال المعلم، بل ربما يتكلم من خلال التلميذ.. كذلك فالتواصل يصل الخادم بالمخدوم، ومن خلاله يتعرف الخادم على واقع المخدوم، وإحتياجاته ومشكلاته ومواهبه وطاقاته… كذلك يستطيع الخادم من خلال الحوار الوصول بالمخدوم إلى اكتشاف نفسه، وطريقه، والقرار الصائب، والحل الأمثل لمشكلته.

لماذا الحوار؟

لاشك أن أخطر أساليب التربية الآن هى ما نسميه “بالتربية الأحادية” حيث يعكف المدرس على حشو أذهان تلاميذه بما يرى وما يريده، مهما كان
ما يراه خاطئاً أو منحرفاً… والأخطر من منهج الحشو أو التلقين، منهج غسل الأدمغة أو التحكم الذهنى Mind Control OR Brin- Wash.. أما أخطر الكل فهو ذلك الخادم الكارزمى الموهوب، الذى بسبب ثقته بنفسه وإحساسه بالتميز، يسبى عقول تابعيه، ويلغى تفكيرهم، وكل طاقتهم وقدراتهم الأبداعية، التى حباهم بها الله

لذلك يهدف الحوار إلى :

1- تحريك ذهن المخدومين، ليعمل، ليبتكر، ويبدع، ويفكر، ويكون له رأيه الخاص، ورؤية للمستقبل فى ضوء عطايا الرب، وأضواء روح الله، ونور الإنجيل، ومرجعية الجماعة.

2- التعرف على إحتياجات وتساؤلات وقضايا المخدومين، حتى لا نحيا فى معزل عنها وعنهم.

3- الوصول إلى اقتناع مشترك، بين القائد والمخدومين، خال من فرض الرأى أو الوصاية، وفيه حرية التفكير والتعبير والتقرير… أى حرية الإرادة وخصوصية الفرد…

4- تفجير الطاقات الذهنية والروحية والإبداعية فى المخدومين، فنختبر معهم عمل الله، وعطايا الروح.

5- التعود على فكر التعددية، فلا أحد يمتلك كل الحقيقة، وكل المواهب، وكل الطاقات، والعصمة المطلقة.. والكنيسة أعضاء مختلفة لكن متكاملة.. تماماً كأعضاء الجسد.

6- التعود على العمل الجماعى، فالحوار يعطى فرصة وشركة وتفاهم وتعاون وتكامل، بحيث نعمل معاً كفريق متحد بالروح.

7- تكوين قيادات جديدة وقادرة على التفكير، وتحمل المسئولية، والمشاركة فى صنع القرار ووضع سياسة الخدمة، ثم تنفيذها ومتابعتها، وتصحيحها من آن لآخر.

 

نوعان الحوار

الحوار مع الشباب نوعان :

1- الحّـوار الفردى : يكون من خلالالعلاقة الشخصية بين الخادم والمخدوم، من خلال الافتقاد والخدمة الفردية.. وهذا الحوار يجب أن لا يكون متسماً بالطغيان (أستاذ وتلميذ)، ولا بالاقتحام (الدخول بأسلوب خشن إلى خصوصيات الشاب) ولا بالتعلق العاطفى (إذ يستغل الخادم الطاقة العاطفية المختزنة فى المخدوم)، ويستولى على جزء كبير منها، على حساب محبة المخدوم للمسيح، والكنيسة، والأصدقاء، وبقية الخدام، فهذا النوع من التعلق العاطفى ضار
بالخادم والمخدوم معاً، إذ تتضخم ذات الخادم من جراء إلتفاف الشباب حوله، وتموت خصوصية المخدوم وجوهره الفردى إذ يتلاشى فى الخادم، وتمتنع صلته بالرب والآخرين.

جلسة الافتقاد ليست سوى جلسة محبة للخادم والمخدوم معاً، عند أقدام المسيح، نعبر فيها عن حب روحى حقيقى للمخدوم، نابع من محبة المسيح له، ثم يتجاذب أطراف بعض الآيات ننتهى بإتفاقات محددة يستريح بها وإليها المخدوم… إنها صداقة حب، تخلو من الدالة والتعلق والإرتباط الشخصى، وتأليه الذات، وتتجه نحو اقتراب الخادم والمخدوم معاً من الرب يسوع مخلص الجميع، ومشبع حياتهم.

2- أما الحوّار الجماعى : فى الفصل أو الإجتماع أو مجموعة العمل، فينبغى أن يتسم بسمات هامة منها :

أ- أن يكون حواراً مهدفاً، بمعنى أن لا يتوه الهدف، بينما تطرح الموضوع للتحاور.

ب- أن يكون حواراً روحياً، فليس الهدف الجدل العقلى الجاف، أو فرد عضلات المعرفة والذات، بل الوصول معاً إلى قناعة مشتركة بأهمية الموضوع المطروح لحياتنا، وبضرورة ممارسته بأسلوب حىّ ومشبع.

ج- وأن يكون الحوار منظماً، فلا يتحول اللقاء إلى فوضى، والكل يتحدث وليس من يسمع، أو ترتفع حدة الانفعالات أو يتحدث أحد دون استئذان أو يقاطع غيره… الخ.

د- كذلك فلابد أن يكون الحوار جماعياً، بمعنى أن تشترك كل الجماعة فيه، فلا يحدث استقطاب بين واحد من الحاضرين وبين المتكلمين، فينصرف بقية الموجودين عن الموضوع.. أكبر عدد يشارك فى السؤال والإجابة وبالاقتراح، والفكرة، وبالرأى… بحيث يدخل أكبر عدد ممكن من الحاضرين داخل دائرة الموضوع.

هـ- والحوار الناجح يجب أن يكون تفاعلياً.. بمعنى أن تتسم المناقشة بالحيوية الهادئة، وليس بمجرد تسجيل أفكار متناثرة غير مترابطة أو متداخلة… والحوار الحى كالكائن الحى… ليس هو مجرد أفكار على أوراق بلا تفاعل خلاّق..

ولابد فى النهاية من تجميع ما توصلنا إليه، حنى لا يخرج السامع مشتت الذهن، بل يكون هناك فى النهاية :

– أفكار موضحة محددة توصلنا إليها.

– تأثير روحى شعرنا به.

– تطبيق عملى سنراه فى حياتنا.

 

أدوات الحوار …لا حوار ناجح بدون :

1- عمل الروح القدس : فبدون الروح الله يستحيل أن يقتنع الشباب بأحتياجتهم الروحية، ولا بإمكانيات نعمة الله فى حياتهم.. من هنا لابد أن يكون الخادم فى حالة صلاة مستمرة قبل وأثناء، وبعد الدرس… فبدون عمل الله يستحيل أن نعمل عمل الله!!

2- والأسلوب المنطقى : يساعد فى اقتناع الشباب، فحينما يتسم كلامنا بالمنطقية والواقعية، ويستند إلى تفكير عقلى شديد، فهذا يساعد فى اقتناع الشباب.. لأن العقل وزنة إلهية، والإنسان كائن عاقل، إذا ما درس شئ وأقتنع به، ونفذه فى حياته، فمثلاً ندرس خطورة حياة النجاسة على روح الإنسان، وعقله، ونفسه، وجسده، وعلاقاته.. وبالعكس ندرس حياة القداسة لهذه المساحات الإنسانية.. هذا يساعد الشباب فى جهادهم وإصرارهم أن يحيوا الطهارة يومياً.

3- كذلك فالمنهجية العلمية : مهمة فى اقتناع إنسان العصر، فحينما يعرف الخادم بعض أساسيات الصحة النفسية والذهنية، والجسدية، وبعض مبادئ علم النفس والإجتماع والتربية… وبعض ثقافات العصر ومفكريه وكتابه… يتسم كلامه بنوع من المنهجية العلمية التى تساعد فى اقتناع الشباب بما يطرح عليهم، من موضوعات وأفكار وإتجاهات بناءة.

ولكن نعود فنقول: أن عمل روح الله، هو جوهر خدمة الكلمة، فالروح هو الذى يبكت ويقنع ويرشد ويقدس ويثمر فى حياة البشر، وما دور الخادم إلا أن يضع نفسه وموضوعه ووسائله بين يدى الروح، ليعمل بها كيفما شاء. من أجل خلاص الجميع: الخادم والمخدومين.

 

 

مشاركة المقال