الشباب والتدبير الروحى

الرئيسية / الشباب والتدبير الروحى

الشباب والتدبير الروحى

بقلم نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى الأسقف العام للشباب

 “حَيْثُ لاَ تَدْبِيرٌ يَسْقُطُ الشَّعْبُ، أَمَّا الْخَلاَصُ فَبِكَثْرَةِ الْمُشِيرِينَ” (أم 14:11).
 “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ .. أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا.. هَذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ” (عب 17،7:13).

سوف نتكلم فى ثلاث نقاط:

1- معنى الحياة بالروح. 2- لماذا التدبير الروحى؟
3- مقومات التدبير الروحى.

أولاً: معنى الحياة بالروح:

الحياة بالروح.. المقابل لها الحياة بالجسد.. يقول الكتاب: “اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ” (غل 16:5)، إذن هناك مؤمن روحى.. وإنسان جسدى، وبينهما مؤمن جسدى.. فالإنسان الجسدى جسده يتحكم فيه.. ليس فقط الحسيات، ولكن كل الشهوات والماديات…

والمؤمن الجسدى.. هو من سار فى طريق ربنا، لكنه مازال يصارع أمام الشهوات والحروب.. عنده بعض أخطاء.. قد لاتكون كبيرة، ولكنها مؤثرة.

أما المؤمن الروحانى.. لايسلك بحسب الجسد أو بحسب الروح الإنسانية، ولكن بحسب الروح الإلهية..
الروح القدس بنعمة الله.. عنه يقول بولس الرسول: “الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ” (رو 14:8).

وسيدنا البابا شنوده الثالث له قول عن الإنسان الروحى أنه: “الإنسان الذى جسده تحت قيادة روحه.. وروحه تحت قيادة الروح القدس”. تعبير جميل جدًا.. المختصر المفيد.. الجسد تحت قيادة الروح الإنسانية.. لكن هذه الروح الإنسانية ضعيفة.. يمكن أن تتلوث.. ولكن نضمن القيادة الصحيحة.. فروحك الإنسانية تكون تحت قيادة الروح القدس.

فالإنسان الروحى أى يكون الروح القدس هو محور الحياة، يردد فى داخله: “لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِىَّ” (غل20:2).. هذه هى الحياة الروحية، أن الروح يقودنى.. والمسيح يسكن فىَّ.. أما الآب.. فهو ضابط الكل.. فالله الثالوث القدوس.. الآب والابن والروح القدس يحل فى هذا الإنسان، فيتحول من إنسان عادى إلى إنسان إلهى.. بوسائط النعمة من معمودية، وميرون، وتوبة، وتناول.. وأصبح الله يسكن فى هذا الإنسان. لذلك نحن دائمًا نضع أمامنا آيتان هما: “كُلَّ شَىْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللَّهِ” (مر 27:10)، ” كُلُّ شَىْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ” (مر 23:9).. فعندما نقول كل شئ مستطاع للمؤمن، لا نقصد إنه إنسان عادى.. بل إنسان دخل فيه الروح، وسكن فيه الله.. ويقتنى المسيح فى أحشاءه.. وهكذا يكون المسيح هو مركز الحياة، “لِكَىْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ” (يو 21:3)، حين يضاف إلى قوتنا الضعيفة قوة الرب يسوع.
عندما ظهر الرب يسوع لتلاميذه فى العلية.. ماذا حدث؟..

يقول الكتاب: “وَقَفَ فِى الْوَسَطِ” (يو 19:29).. قال لهم شيئان:

1- سلام لكم. 2- ها أنا أرسلكم.

الله يعطى سلامه للأبرار والمبررين.. “لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ” (أش 22:48) ومع السلام يعطى الإرسالية.. وهكذا تكون سكنى المسيح فى الإنسان سبب سلام شخصى، وأيضًا إثمار وإرسالية.. وبعد ما يحل المسيح
فى الإنسان يبدأ يشبع بنوره، وروحانيته، وقداسته، وفعله، ونعمته على الفكر والقلب والسلوك.

فنجد هذا الإنسان فكره أصبح فكر المسيح.. “وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ” (1كو 16:2).. قلبه أصبح قلب المسيح.. “وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِى” (أع 22:13).. سلوكه أصبح حسب سلوك المسيح.. “تمثلوا بى كما أنا بالمسيح”.

إذًا الإنسان الروحى هو إنسان خضع جسده لروحه الإنسانية، وخضعت روحه الإنسانية للروح القدس.. هو إنسان سكن الروح فيه الميرون، ويضطرم الروح بالوسائل الروحية المختلفة.. كل جزء فيه أصبح للمسيح..
كل حاسة من حواسه.. كل خلجة فى قلبه.. كل طاقة فى أحشائه.. كل موهبة.. كل إمكانية.. كل لحظة فى أيامه للمسيح..

وفى طريق الإنسان الروحى هناك 4 درجات أو خطوات.. أو الأفضل أن نسميهم مراحل.. كل مرحلة تبدأ
ولا تنتهى:

1- التوبة 2- النمو 3- التقديس 4- الإثمار

1- التوبة: وهى يستمر فيها للأبد.. فليس معنى أن الإنسان بدأ مرحلة التوبة أنه ينال الخلاص للأبد، وأنه لن يخطئ ثانية!!.. لا .. فهو تائب طول عمره.. التوبة حياة.

2- النمو: بعد التوبة.. أى ترك الخطايا والسلبيات.. يبدأ الإنسان فى النمو فى الإيجابيات.. نعم انتقل من التوبة إلى النمو.. لكن الخطوتين فى داخله.. فليس هو معصومًا من الخطأ، لكنه بعد أن كان كل أمله أن يترك الخطية.. الآن يستقبل العطايا الإلهية ويشبع وينمو.. ويتغذى وتدسم حياته.

3- التقديس: أى يصبح إنسانًا ملكًا لله.. مكرسًا للرب.. ليس فقط تائبًا.. أو سائرًا فى طريق النمو.. الآن أصبح ملكًا للرب.. وقُدس له.. وكلمة قداسة (أجيوس) تفسيرها فى اللغة الإنجليزية “Something separated for God”، أى شئ مُفَرز ومخصص للرب.. يقول الكتاب: “اخْرُجُوا مِنْ وَسَطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا،يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ” (2كو 17:6).. وقد يسأل واحد ويقول: “هل معنى ذلك أن نترك العالم؟”..لا.. يقول الرب يسوع: “لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ”
(يو 15:17).. أن تحيا فى العالم، ولكن العالم لا يحيا داخلك.. أنت ملك المسيح، رائحته الذكية (2كو 15:2).. الخميرة التى تخمر العجين كله (1كو 6:5)، (غل 9:5).. ملح للأرض (مت 13:5) .. نور العالم (مت 14:5).

4- الإثمار: يبدأ الإنسان الروحى يطرح ثمر “مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ” (غل 22:5،23)
وهذه الثمار يبدأ يخدم بها ربنا.. وقد تكون خدمته تقليدية.. وعظ وتحضير.. لكن أهم من ذلك هى الخدمة غير التقليدية، خدمة النموذج.. خدمة الحياة الشاهدة الأمينة.. الناس ترى أعمال الخادم، ونسكياته، وحياته، وتتعلم منها.
كل واحد حسب طاقته.. خادم متطوع أو part time، مكرس، كاهن، راهب، لكن القوة الضاربة للمسيح ليست هى فكر المكرسين فقط.. بقدر ما هى فى المؤمنين الذين يشع المسيح من خلالهم فى الحياة اليومية.. فى العمل، والأسرة، والكنيسة.

نريد أن نحيا هذه الحياة الروحية التى تبدأ بالتوبة، وتستمر إلى النمو، ثم تعبر إلى التقديس.. وتنتهى
إلى الإثمار.. ثم الأبدية فى أورشليم السمائية.. هذه هى الحياة بالروح.. المسيح فى الوسط ينقلنى فى هذه الدرجات الأربع، ثم إلى مجد يأخذنى بنعمته طبعًا.

ثانيًا: لماذا التدبير؟

التدبير مهم من أجل 4 نقاط:

1- الفروق الفردية 2- منعطفات الحياة
3- مواقف الحياة 4- مزالق الطريق

1- الفروق الفردية: كما أن البصمات تختلف.. هكذا البصمة الروحية.. فالروح القدس أبدًا ما كان تاجرًا لنسخ مكررة.. ولكنه دائمًا فنان يتفنن فى رسم أيقونات متفردة.. فانت لك فى قلب المسيح مكانة خاصة ومحبة خاصة.. وأنواع الفروق كثيرة.. قد تكون وراثية.. الذكاء مثلاً أو الأمراض الوراثية.. أو الفروق البيئية.. النشأة فى حى شعبى أو حضرى.. فروق أسرية.. وفروق ثقافية.. وهناك فروق  نتيجة مصادمات الحياة وتجاربها.. وكذلك هناك فروق نفسية واختلافات فى الشخصية.. فهذا من
النوع الحركى.. وأخذ من النوع الوجدانى.. وآخر من النوع العقلانى.

لذلك على المدبر الروحى أن يصلى حسنًا، ويأخذ إرشادًا من الله حتى يستطيع أن يدبر أولاده حسنًا.

2- منعطفات الحياة: كثيرة هى منعطفات الحياة.. المراهقة.. مرحلة الشباب.. الدراسة.. العمل.. الجيش.. الزواج.. الأطفال.. هذه كلها منعطفات حياتية.. ولابد أن تأخذ إرشادًا فى كل هذه المنعطفات.. لأن فى بعضها سوف تجد منحنيات خطرة، ولذلك لابد من التدبير.. ولذلك نجد الخدمات المتنوعة فى الكنيسة.. خدمة مرحلى إبتدائى.. إعدادى.. ثانوى.. جامعة.. إلخ.. فكل واحد فى إحتياج إلى خدمة وتدبير مختلف.

3- مواقف الحياة: مشاكل الحياة فى الأسرة.. فى الجامعة.. فى مجتمع العمل.. مشاكل فى العاطفة.. أو مشاكل أخلاقية، مثل: الرشوة، والسلوك غير المسيحى.. مشاكل كثيرة، وكل ذلك فى حاجة إلى تدبير وإرشاد.

4- مزالق الطريق: وما أخطرها!.. لو قرأتم فى كتب الآباء، ستجدوا الكثير من هذه المزالق.. فمثلاً: واحد يتغلب على الخطايا الشبابية، فيقع فى خطية الكبرياء والذات.. أو أحدهم يدخل الخدمة لكن معتمدًا على قوته، لا على نعمة المسيح.. وهناك مزالق فى الأفكار.. كبرياء.. صغر نفس.. عدم قبول الآخر.. إحساس بالفشل.. كل هذه المزالق فى حاجة إلى تدبير.

ثالثًا: مقومات التدبير الروحى:

ببساطة.. وبدون تعقيد.. نحن فى حاجة إلى: أب روحى، يعطى قانونًا روحيًا، يطبق فى وسط روحى.

1- الأب الروحى: الذى يعطى الإرشاد المناسب فى كل موقف من المواقف، فى كل منعطف أو منزلق..الأب الروحى هو جوهر التدبير الروحى، فالذين بلا مرشد يسقطون كأوراق الشجر..
يقول الكتاب: “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ.. أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ” (عب 17،7:13) حيث تقع مسئولية كبيرة على المدبر.. الذى يدبر أولاده حسنًا بنعمة الروح القدس.. وهو يعطى “حِلَّاً” و”حِلَّاً”… حَلَّاً من الخطايا، وحَلَّاً للمشكلات.. الاعتراف وصية كتابية، مهمة نفسيًا، ومهمة روحيًا.

2- القانون الروحى: لو تركت نفسك لهواك دون نظام روحى معين، ستجد أن الجسد غلب الروح.. القانون يضعه الأب الروحى حسبما يقدر الإنسان.. من صلاة بالأجبية، وميطانيات، وقراءة الإنجيل.. وطبعًا هذا القانون يزداد كلما تقدمت فى الروحيات.

3- وسط روحى: لا يصح أن يكون لك أب روحى ويعطيك قانونًا، وتجلس وحيدًا تطبقه فى بيتك.. لماذا؟.. لأنك عضو فى جسد الكنيسة.. فهيا تعالى لتعيش معنا حياة الشركة.. القديسين وأرواحهم هنا، ربالمجد هنا، روح الله هنا يعمل.. اشبع معنا فى وسط الكنيسة.. ترتيل.. تسبيح.. تهليل.. قداسات.. فتشبع وتتحول إلى خادم وشاهد للمسيح.

أخيرًا..

1- فليكن المسيح محور حياتك.. هذه هى الحياة بالروح.
2- أنت بحاجة إلى تدبير روحى بسبب الفروق، والمنعطفات، ومواقف الحياة، والمزالق.
3- لابد من أب روحى، يعطيك قانونًا روحيًا، تطبقه فى وسط روحى.. ويكون لك ثمر فى كرم المسيح.
الله يعطينا جميعًا أن تكون حياتنا مُدَبَرة حسنًا لمجد اسمه.. له المجد الدائم إلى الأبد آمين..

مشاركة المقال