الشباب… والطموح

الرئيسية / الشباب… والطموح

الشباب… والطموح

هناك ثلاث كلمات، نحتاج أن نميز بينها: الطمع، والطموح، واستثمار الوزنات! فما المقصود بذلك؟ وما الفرق بينها؟images (1)

1- الطمع:

وهو أن يحب الإنسان النصيب الأكبر، يحب أن يأخذ أكثر مما يعطى، وربما دون أن يعطى! وهذه خطيئة عظمى، اعتبرها الكتاب المقدس بمثابة عبادة للأوثان! فحين جاء شخص يطلب من السيد المسيح أن يقسم الميراث بينه وبين أخيه، قال له الرب: “يا إنسان، من أقامنى عليكما قاضياً أو مقسماً”. وقال للجموع: “انظروا وتحفظوا من الطمع” (لو 13:12-15).

وجاءت خطيئة الطمع مقترنة بعبادة الأوثان فى مواضع عديدة، نذكر منها: “الطمع… هو عبادة أوثان” (كو 5:3)… “كل زان أو نجس أو طماع، الذى هو عابد للأوثان، ليس له ميراث فى ملكوت المسيح” (أف 5:5) فالطمع – فى جوهره – عبادة للذات والمادة والعالم، وهذه كلها أوثان يجب أن لا نتعبد لها دون الله، الذى أوصانا قائلاً: “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (مت 10:4).

الطمع إذن هو نوع من عبادة الذات، دون الله، ولذلك دعى عبادة أوثان!!

ولنا أنموذج هام فى الكتاب المقدس، طمع آخاب الملك فى كرم نابوت اليزرعيلى، فى العهد القديم (1مل 4:21)، وطمع ديوتريفوس الذى يحب أن يكون الأول بين الجميع، فى العهد الجديد (3يو 9:1).

الطمع – إذن – مرفوض، ولا يحتاج ذلك إلى شرح!!

2- الطموح:

يحب الشباب كلمة “الطموح” ولديهم الحق فى ذلك… فالشباب مقبل على الدنيا، وأمامه مستقبل عريض، لذلك فهو مهتم بأن لا يكون كسولاً أو خنوعاً أو متقاعساً، وهو يريد أن يكوَّن نفسه مادياً وعلمياً واجتماعياً. وهذا كله طيب… لكن المشكلة تكمن فى نوع هذا الطموح… فهل هو طموح ذاتى، بقدرة الذات، ولمجد الذات؟! أم هو طموح روحى، بقدرة الله، ولمجد الله؟!

الطموح الذاتى خطأ وخطر!! ففيه يقول الشاب:

أريد أن أكون كذا… وأستطيع أن أكون كذا بذراعى ومجهودى… لأصل إلى مركز مرموق يمدحنى فيه الناس، فأكون ممجداً فى عيونهم، وفى عينى نفسى!

وهنا الخطورة: ? فالهدف هو تمجيد وتضخيم الذات، على حساب الله،

? والدافع بشرى محض، يتناسى معونة الله وإرشاده فى الفكر والتخطيط.

? والوسيلة هى القدرات الذاتية: الشخصية أو العلمية أو المادية…

لهذا يحذرنا سليمان الحكيم من “طموح العينين وإنتفاخ القلب” (أم 4:21).

فهل معنى ذلك أن نمتنع عن الطموح ونحيا فى الخنوع والكسل، ونرضى بمستويات أقل فى العلم والعمل والمادة والمستوى الاجتماعى؟! لا… طبعاً… لكن كل المطلوب هو اقتناء الطموح الروحى الذى فيه يكون:

? الهدف… هو مجد المسيح العامل معى وفىّ.         ? والدافع… استثمار الوزنات التى أعطاها الرب لى.

? والوسيلة… هى المعونة الإلهية العاملة فى ضعفى.

وهنا نجد أن كلمة “استثمار الوزنات” أفضل من كلمة “الطموح”… فما هو استثمار الوزنات؟

3- استثمار الوزنات:

والمقصود به أن الرب أعطى لكل إنسان وزنة أو اثنتين أو خمسة، كلاً “على قدر طاقته”، كما ورد فى مثل الوزنات (مت 14:25-30).

صاحب الوزنتين استثمرهما وتاجر، فربح وزنتين آخريين… فكافأه الرب!

وصاحب الخمس وزنات، ربح خمساً أخر، فنال مكافأة هو أيضاً.

أما صاحب الوزنة فطمرها فى التراب، ثم أعادها إلى سيده بدون أرباح (كلمة ربا فى العبرية = ربح، وهناك فرق بين ربح قادم من قرض استثمارى كالمال الذى نضعه فى البنوك، وبين ربح قادم من قرض استهلاكى أعطيته لشخص محتاج لعملية جراحية مثلاً فطلبت منه فوق القرض أرباحاً).

إذن… فالرب يطلب منا استثمار الوزنات التى أعطاها لنا. وهو عادل فى توزيع الوزنات وفى المحاسبة عليها… لذلك فحين طمر صاحب الوزنة وزنته فى التراب، وأعادها دون ربح، عاقبه السيد، وأعطى وزنته لصاحب الخمس وزنات، ليس لكى يزداد الغنى غنى، ولكن لأن صاحب الخمس وزنات عنده قدرة أكبر على الاستثمار، فأعطاه وزنة أخرى، أى أضاف إليه 20% جهداً. أما لو كان قد أعطى الوزنة لصاحب الوزنتين، إذن فقد أضاف إليه 50% جهداً!! لذلك يقول الكتاب: “لأن كل من له يعطى فيزداد ومن ليس له فالذى عنده يؤخذ منه” (مت 29:25)… أى من له استثمار وزنات جيد، يعطى وزنة أخرى جديدة.

 

إذن، علينا أن نستثمر وزناتنا… فقد يكون لديك وزنة علمية… فتحصل على ماجستير ودكتوراه، وتصير أحد العلماء المرموقين، أو وزنة مادية فتقدم خدمات إنسانية للفقراء ومشروعات الخير، أو وزنة إدارية فتقود مؤسسة نحو نجاح باهر!!

المهم أن هذا كله يكون:

? بقوة الله… وليس بإقتدارك الشخصى.                   ? ولمجد الله… وليس لتضخيم الذات.

هذا هو الاستثمار الأمثل لما أعطاه الرب لنا من وزنات… فالرب معك من نجاح إلى نجاح!!

كيف أكتشف وزناتى؟

يستطيع الشباب أن يكتشفوا وزناتهم المعطاة لهم من الله، من خلال وسائل كثيرة:

1- الصلاة:

حين أطلب من الرب أن يكشف لى ما أعطانى لكى استثمره بأمانة، فيرسل لى الإجابة إما بفكرة فى الذهن أو دعوة من مسئولى الخدمة أو نجاح مميز يلحظه الناس فيخبروننى به… إلخ.

2- الإرشاد:

حين أسأل أبى فى الاعتراف، أى خدمة يمكن أن أخدم الله بها، ولأنه يعرفنى، وبروح الله العامل فى سر الاعتراف، يرشدنى إلى خدمة ما أو مشروع مناسب…

3- الحوار:

ففى مناقشة أى عمل تظهر مواهب ووزنات المتحاورين، فنكتشف أن هذا شخص روحانى، والثانى عقلانى، والثالث وجدانى، والرابع حركى، والخامس اجتماعى… ولكلٍ مواهبه ووزناته.

4- المشاركة:

فالعمل المشترك هو أفضل مجال تظهر فيه المواهب والطاقات والوزنات، حيث يكمل الجميع بعضهم بعضاً، فى مسرحية أو معرض أو احتفال أو مسابقات أو فرق تسبيح…

5- التدريب:

فهذا ينجح فى أعمال الكومبيوتر، وذاك فى اللغات، والثالث فى الموسيقى، والرابع فى القيادة والإدارة… فهذه “الكورسات” التدريبية تظهر مواهب الذين يلتحقون بها.

كيف استثمر وزناتى؟

هنا تأتى “سينرجية” الجهاد والنعمة… وكلمة “Synergy” مكونة من مقطعين: (Syn = Together)، و( Erg = work)، فمعناها – اذن – أن نعمل معاً: الله والإنسان، النعمة والجهاد (working together).

فلا نعمة بدون جهاد ولا جهاد بدون نعمة… أى أن الإنسان الذى يجاهد فى ضبط نفسه، وأداء عمله، والإلتزام بمسئولياته، ينال نعمة من خلال الصلاة والكلمة وممارسة الأسرار المقدسة. وأيضاً الإنسان الذى يجاهد ويستثمر ما أعطاه الرب له من نعمة، ينمو ويتقدم ويثمر. الجهاد يعطينا نعمة، والنعمة تمكنا من الجهاد. لهذا يقول الرسول بولس: “نحن عاملان مع الله” (1كو 9:3)…

“الفرس معدَّ ليوم الحرب (الجهاد)، أما النصرة فمن عند الرب (النعمة)” (أم 31:21).

تعالوا نكتشف وزناتنا ونستثمرها، بقوة المسيح، ولمجد اسمه.

نيافة الأنبا موسى

 

مشاركة المقال