الشباب والعولمة – نيافة الأنبا موسى

الرئيسية / الشباب والعولمة – نيافة الأنبا موسى

من قضايا العصر الهامة قضية “العولمة”… وهى واقع حىّ، نلمسه كل يوم، ويستحيل أن نتجاهله، بل علينا أن نتفاعل معه بالأسلوب السليم.

فما هى العولمة؟وما هى تحدياتها؟وما هى تطوراتها المعاصرة وأثرها المباشر علينا؟وما هو دور مسيح القيامة فى تفاعلنا وتعاملنا مع العولمة؟

ما هى العولمة ؟

العولمة “globalization”، مشتقة من كلمة “العالم” أو “الكرة الأرضية” (globe).. ومعناها أن الكرة الأرضية أصبحت قرية واحدة، كل جزء فيها يؤثر ويتأثر بالجزء الآخر، إذ سقطت الحواجز بسبب ثورة الاتصالات والمعلومات. فمن خلال التليفزيون والإنترنت صار العالم كله متداخلاً. إذا حدث شئ فى أقاصى الأرض، تأثر به الكثيرون فى الأقاصى الأخرى، بسبب سرعة انتشار المعلومات، وتدفقها غير المسبوق.. وإذا ما حدثت مشكلة فى قرية ما، سرعان ما انتشرت أخبارها فى كل العالم، وتأثر وتفاعل معها الكثيرون، فى كل بقاع الأرض

ولهذا فقد بدأنا نستمع إلى تعبيرات جديدة مثل :

1- ثورة الاتصالات : بسبب البث التلفزيونى من الأقمار الصناعية التى تغطى كل الكرة الأرضية.

2- ثورة المعلومات : بسبب شبكة الإنترنت الدولية التى أتاحت كل المعلومات لكل إنسان على وجه الأرض.

3- السموات المفتوحة : فلم تعد هناك إمكانية إخفاء حقائق أو معلومات من قطر إلى آخر، فمن المستحيل – عملياً – فرض رقابة على ما تبثه هذه الأقمار والشبكات…

4- الثقافة الكوكبية : بمعنى أن تسود ثقافة واحدة، وأسلوب حياة واحد، من خلال هذه الشبكات، سواء من جهة الملابس أو الاهتمامات اليومية أو السلوكيات الحياتية… الخ.

5- المواطن العالمى : أى أن الأجيال القادمة، التى ستتأثر بهذه الثورة، سوف تتقاسم ثقافة واحدة، ومعلومات واحدة، وسوف يتشابه الشباب معاً، من مكان إلى آخر، سواء من جهة أسلوب الحياة، أو منهج التفكير، أو التفاعل اليومى… الخ.

تحديات العولمة

من هنا تكون للعولمة تحديات هامة فى حياتنا وحياة أجيالنا الصاعدة. فالعولمة واقع أكيد، لا نستطيع أن نلغيه، أو نتجاهله، ولكننا نستطيع أن نتفاعل معه بطريقة إيجابية. ذلك لأن لدينا الكثير من الوسائل، التى نتمسك بها، أثناء تفاعلنا مع تحديات العولمة. فمثلاً عندنا الإيمان المسيحى، وعندنا العقيدة الأرثوذكسية، وعندنا القيم الإجتماعية، وعندنا الروح الوطنية… وهذه كلها تساعدنا على التفاعل الإيجابى مع تحديات العولمة.

ولكن ما هى التحديات التى تواجهنا بها العولمة ؟

1- التحدى الإيمانى

فمع ثورة الاتصالات أصبح من السهل أن تقرأ على الإنترنت الكثير والكثير عن المسيحية.. ولكن من السهل أيضاً أن تتقابل مع مواقع وبرامج ضد المسيحية!! الأديان كلها مطروحة على الشاشة، وعلى الساحة. وعلى الإنترنت أيضاً نتقابل مع أدعياء المسيحية: كالأدفنتست، وشهود يهوه، والمورمونز، وغير ذلك من الشيع التى تدعى المسيحية، بينما جوهر عقائدها غير مسيحى على الإطلاق.

كل هذا متاح الآن على الإنترنت.. ولابد من أن يتثبت أبناء المسيح من مسيحهم ومسيحيتهم، حتى لا تؤثر فيهم هذه التيارات الوافدة.

2- التحدى العقيدى

وأقصد به محاولات الطوائف غير الأرثوذكسية أن تنال من أرثوذكسية أجيالنا. فكل ذلك متاح بفعل ثورة الاتصالات والمعلومات. ولابد من أن يتعرف شبابنا على مفردات الأرثوذكسية، واستقامة تعاليمها، وإنجيلية معتقداتها، ليستطيعوا أن يستمتعوا بنوعية حياتها، وروحانيتها، ويردوا على أى فكرة أو عقيدة أو كلمة توجه إليها.

3- التحدى الروحى

ومعروف أن ثورة الاتصالات أصبحت تقدم على التلفزيون العادى والمشفَّر، برامج غاية فى الإثارة والانحلال، وهو نفس ما تقدمه بعض مواقع الإنترنت، أو المجلات الرخيصة، وأفلام الفيديو… الخ. وهذا كله يستوجب منا نوعاً من الشبع الروحى الذى يجعلنا ندوس على هذه الإغراءات الحسِّية، والعثرات اليومية، ومحاولات عدو الخير الذى يجتهد فى إسقاطنا فى أنواع الخطايا المختلفة.

4- التحدى الثقافى

ونقصد به تلك “الثقافة الكوكبية” التى تحاول ثورة المعلومات والاتصالات أن تفرضها علينا، بغض النظر عن تناقضها مع الدين، أو التقاليد، أو الروح المصرية، التى نحياها ونتمسك بها.إن مجهوداً كبيراً مطلوب منا، لكى نقرأ ونعرف ونستنير، حتى نميز الخطأ من الصواب، ونختار كل ما هو صالح وبناء، رافضين كل ما هو فاسد وهدام.

5- التحدى الإجتماعى

فلاشك أن ثورة المعلومات تقدم لنا كل يوم توترات سياسية، ونزاعات عرقية ودينية، فى أنحاء العالم، ويمكن أن تحاول هذه الأحداث أن تفرق بيننا، داخل الوطن الواحد، ما لم نكن منتبهين إلى خطورة الفرقة، وسلبيات الإنقسام، ثابتين فى المحبة والوحدة الوطنية البناءة. كما تقدم لنا هذه الشبكات مفاهيم إجتماعية منحرفة مثل ممارسة الجنس قبل الزواج (Pre-marital Sex)، والجنسية المثلية، والأم غير المتزوجة، والزواج الجماعى، وغير ذلك من الانحرافات التى يمكن أن تدمِّر أجيالنا الصاعدة.

مسيح القيامة… والعولمة

لاشك أن مسيحنا الحىّ، القائم من بين الأموات، والذى سحق الموت بموته، هو السند الحقيقى لنا، لكى نتفاعل مع العولمة وآثارها، بالطريقة السليمة.. ذلك لأن :

1- مسيح القيامة.. يثبتنا فى شخصه

فهو حىّ فى وسطنا، وفى قلوبنا، وعلى المذبح.. كلما صلينا استمع إلينا، وكلما قرأنا الإنجيل استمعنا إليه، وكلما تناولنا ثبت فينا وثبتنا فيه. فنحن لسنا مع زعيم نادى بدين معين ثم مات.. ولكننا مع قائد يسكن فى قلوب محبيه. ليس فقط كمشاعر أو أفكار أو مبادئ، بل بشخصه الحىّ.

إن مسيح القيامة قد غادر قبره إلى الأبد، ليسكن فى قلوب محبيه، مسيحاً حياً فاعلاً، ومخلصاً قديراً ظافراً. يسكن فى أعماقنا، يرشدنا ويعزينا، ويسند ضعفنا، ويقود خطواتنا، وينصرنا على كل عثرات العالم، وقوى الشيطان، فهو المكتوب عنه: “إن كان المسيح فيكم، فالجسد ميت..” (رو 10:8)، “إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعاً” (رو 20:16).. “أنا قد غلبت العالم” (يو 33:16).وهكذا ننتصر به على الجسد والعالم والشيطان، ثابتين فى روحياتنا، ومنتصرين على الخطيئة.

2- مسيح القيامة… يثبتنا فى الإيمان المسيحى

فنحن لا نؤمن بأفكار ومعتقدات وحسب، بل نؤمن بشخص حىّ، قام ولم يمت، ولن يموت إلى الأبد. مسيح القيامة حقيقة مستقرة فى اختبارنا اليومى، كإله محب ظافر، يسندنا وينصرنا على كل التجارب والضيقات، ونختبره فى كل مشكلات الحياة، فنجده “لمعونتنا يركب السحاب”، ونحسّ بأنه حىّ فينا، لأنه “إن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق، حيث المسيح جالس” (كو 1:3). “لأنكم قد متم، وحياتكم مستترة مع المسيح فى الله.

متى أظهر المسيح حياتنا، فحينئذٍ تظهرون أنتم أيضاً معه فى المجد” (كو 3:3).

أن أقوى الأدلة على ألوهية السيد المسيح، أنه يسكن فينا، وأنه حىّ إلى الأبد. فهو مانح الحياة، و “فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس” (يو 4:1)، أى أن حياته فينا، تنير أبصارنا الداخلية، فندرك لاهوته، ونستمتع بخلاصه الأبدى.

3- مسيح القيامة… يثبتنا فى العقيدة الأرثوذكسية

ذلك لأن كلمة “أرثوذكسية” معناها “الطريقة المستقيمة فى تمجيد الله”.. لأن الأرثوذكسية – ببساطة – هى المسيحية الأصلية الأولى، فى عمقها وبساطتها. فلقد كانت الكنيسة كلها – قبل انقسام خلقيدونية – تسير فى خط واحد مستقيم. واستمرت الأرثوذكسية فى نفس الخط، دون إضافة أو حذف، خط التعاليم الأصيلة، المدونة فى كتابات آباء ما قبل الانقسام… فإذا ما أردنا أن نتعرف على الصواب من الخطأ، علينا أن نعود إلى الجذور، إلى مسيح القيامة، مسيح الرسل، مسيح الآباء الرسوليين، مسيح ما قبل الانقسام، مسيح الخط المستقيم.

4- مسيح القيامة… يثبتنا فى المحبة

وإذ تنسكب فى قلوبنا محبة الله، نحب بعضنا بعضاً “من قلب طاهر وبشدة” (1بط 22:1). ونحب كل من هم حولنا من مواطنين. بل تتسع قلوبنا لنحب البشرية جمعاء، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة… وهنا تسود المحبة، وينتشر الخير، وينتفى الخصام.
ولا يستطيع أحد أن يفرقنا أو يمزق وحدتنا، فقد صار لنا شعار المسيح الحىّ: “بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً” (غل 13:5)، “اتبعوا الخير بعضكم لبعض وللجميع…” (1تس 15:5)، “أحبوا بعضكم بعضاً” (1بط 22:1).. “عيشوا بالسلام، وإله المحبة والسلام سيكون معكم” (2كو 11:13).

وهكذا بقدرة مسيح القيامة، ننتصر على كل تحديات العولمة، ويبقى شعار النجاح هكذا: “البرّ يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية” (أم 34:14).

مشاركة المقال