القديس لوقا الإنجيلى

الرئيسية / القديس لوقا الإنجيلى

القديس لوقا الإنجيلى

بمناسبة احتفال استشهاد القديس لوقا الإنجيلى يوم 22 بابه نتأمل فى سمات شخصية هذا القديس: كلمة (لوقا) لاتينية معناها (نور) وإذا نطقت (لوسى) لأن حرف (C) فى الإنجليزية أحياناً ينطق: وأحياناً ينطق س أيضاً معناها (نور)، وهو اسم يدل على القديس لوقا كان أمميا.

أما عن سمات شخصيته :

1- التدقيق. 2- الرجاء. 3- التلمذة. 4- الصلاة.

1- التدقيق :

“إذا كان كثيرون أخذوا بتأليف قصة فى الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالى إليك أيها العزيز ثاؤفيلس لتعرف صحة الكلام الذى علمت به” (لو 1:1-4).

نستكشف من الآيات السابقة سمة التدقيق التى تفيد فى الخدمة.. نرى أن أمور الإيمان والبشارة بالمسيح كلها أمور متيقنة عنده إستلمها من الخدام المعاينين للكلمة وسلمها لنا.. كثيرون يقولون أن القديس لوقا أستلم أمور كثيرة من العذراء مريم والدة الإله لذلك يقول: “تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق”… والهدف من ذلك معرفة صحة الكلام ليتيقن المخدومين والسامعين من صحة الكلام الذى يعلم به وأيضاً لانتشار بعض الكتب المنحولة والمزيفة فى عصر الرسل. وعندما كتب قائلاً: “أكتب على التوالى” كان يقصد كتابة سفر الأعمال الذى كتبه إلى شخص محدد الذى هو ثاؤفيلس.

أهم مبادئ التدقيق هى :

1- نتيقن من إيماننا وحياتنا.

2- مبدأ التسليم الإيمانى على تسليم آبائى.

3- نقدم خدمة نقية بلا لوم كما قال القديس بولس عن نقاوة التعليم.

? فدعى الهراطقة “ضالين ومضلين” فيقول: “لأن وعظنا لم يكن عن ضلال ولا بدنس ولا بمكر”… وبهذا ينبهنا أن تكون خدمتنا على هذا المستوى.

? وكلماته فى افتتاحية سفر أعمال الرسل “الكلام الأول أنشأته يا ثاؤفيلس عن يسوع وتعليمه”.. كأنه يكمل القصة التى بدأها فى إنجيله (إنجيل لوقا).

? وضع فى حياته أن يكون طبيباً ناجحاً وهذا اكتشفه الدارسون من كتاباته ففى (لو 43:8) عن المرأة نازفة الدم يقول: “أنفقت كل معيشتها للأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد” بمقارنة هذه الآية بما جاء فى (مر25 :5) عن المرأة نازفة الدم يقول: “قد تألمت كثيراً من أطباء كثيرين وانفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حال أردأ”.. نلاحظ أن أسلوب لوقا الذى يتكلم به عن الأطباء مقبول لأنه أحد الأطباء بعكس وصف مرقس الذى يوحى بأن الأطباء تسببوا فى تعبها لأن مرقس لم يكن طبيباً.

وأيضاً بمقارنة أسلوب معلمنا لوقا فى (لو 38:4) وأسلوب معلمنا متى فى (مت 14:8) عن حماة سمعان نجد هناك تعبير طبى لمعلمنا لوقا فهو يقول: “كانت حماة سمعان قد أخذتها حمى شديدة فسألوه من أجلها”.

أما معلمنا متى يعبر قائلاً: “حماته مطروحة ومحمومة” وأيضاً معلمنا مرقس يصف الحالة قائلاً: “مضطجعة محمومة” (مر 30:1).. ومعلمنا القديس بولس الرسول أكد بقوله فى الرسالة إلى أهل كولوسى أن القديس لوقا الطبيب الحبيب (كو 14:4) وتعبيره الطبى فى (لو 44:22) عن عرق المسيح كقطرات دم يبرز أنه كان طبيباً.

2- التلمذة :

+ القديس لوقا البشير كان أحد السبعين رسولاً وهو الذى أعطانا خبر أن المسيح عين سبعين آخرين وأرسلهم اثنين اثنين إلى كل مدينة وموضع حيث كان يأتى (لو 1:10).

+ كان تلميذ للسيد المسيح وأيضاً تتلمذ للقديس بولس الرسول : بحسب تصورنا ولغتنا الحديثة أن لوقا أقدم من بولس فهو دخل الجماعة التكريسية مبكراً عن القديس بولس كما أنه عاش أيام المسيح معه بالجسد بعكس بولس ومع ذلك نجد أن القديس لوقا يقول بكل حب أنه خادم مع بولس فهو بكل إتضاع يقولها كأنه يصف إمكانيات بولس العظيمة للخدمة والكرازة ولضعفه أنه سوف يصحبه فقط فى رحلات بولس التبشيرية.

وفى رسالة القديس بولس الرسول إلى فليمون يقول: “يسلم عليك أبفراس المأسور معى فى المسيح يسوع.. ومرقس وارسترخس وديماس ولوقا العاملون معى” (أع 23،24). وكأن لوقا من العاملون معه رغم أنه أسبق له فى الخدمة.

أيضاً سفر أعمال الرسل يبين معية القديس لوقا للقديس بولس معبراً عنها بقوله: “فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بثينيه فلم يدعهم الروح فمروا قائم على ميسيا وانحدروا إلى ترواس وظهرت لبولس رؤيا فى الليل رجل مكدونى قائم يطلب إليه ويقول أعبر إلى مكدونية وأعنا. فلما رأى الرؤيا للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية متحققين أن الرب قد دعانا لنبشرهم. فأقلعنا من ترواس وتوجهنا” (أع 7:16-11).

فى البداية كان القديس بولس يتكلم بضمير الغائب ثم أصبح يتكلم بضمير المتكلمين وهذا بعد أن التقى بالقديس لوقا فى ترواس فى الرحلة الثانية (أع 5:20) وأيضاً عبر بضمير المتكلمين قائلاً: “سلمنا فصرنا نحمل” (أع 15:27).

وفى (أع 16:28) قائلاً: “ولما أتينا إلى رومية سلم قائد المئة الأسرى إلى رئيس العسكر” وأعتبر القديس لوقا نفسه مرافقاً لبولس حتى عند ذهابه للمحاكمة رغم أنه لم يكن صغير السن أو قليل المنزلة.. وكما نعلم أن القديس بولس مكث سنتين فى بيت إستأجره بعدها قدم إلى نيرون وأستشهد ثم بعدها بفترة قدم القديس لوقا لنيرون واستشهد.

أيضاً فى الرحلة الثالثة عندما كان القديس بولس مسجون فى قيصرية (قيصرية فيلبس التى بناها الملك مجاملة لقيصر).. أخذ لوقا يخدم سنتين فى أورشليم إلى أن يعود القديس بولس من سجن قيصرية… وسافر لوقا مع بولس إلى روما.

كل هذه المواقف تبين روح المشاركة والتلمذة والإتضاع التى كان يتميز بها معلمنا لوقا البشير تجاه القديس بولس.. فهو يذكر أسماء كثيرين ولكن لم يذكر اسم نفسه.. لم يفكر أن يستقل عن بولس ليكون له كيان ووضع.. لأنه من عادة الشيطان يحارب الإنسان بحرب الرياسة.. فلو لم يذكر لنا تقليد الكنيسة أن معلمنا لوقا هو كاتب سفر الأعمال لما كنا علمنا أنه القديس لوقا هو كاتبه.

جيد أن نتعلم الإتضاع والخضوع.. ولا نسعى نحو الشهرة.. فالقديسان بولس ولوقا كان متضعان فكانا عاملان معاً.. كان القديس لوقا كل قلبه فى الخدمة فهو أحد السبعين رسولاً نتعجب منه إذ يكرس وقته ليكتب قصة القديس بولس الرسول لذلك نجد النصف الأول من سفر الأعمال يتكلم عن أعمال الكنيسة فى أورشليم والنصف الثانى يتكلم عن القديس بولس.

تحدثنا سابقاً أن القديس لوقا كان اممياً وحيث أن المسيح قبله فى الخدمة هذا يعنى أنه كان أممى متهود أيضاً لأنه كان كثيراً ما يذكر اسم أنطاكية أكثر من أورشليم كأنه يوصى بعدم الاستهانة بخدمة الأمم.. فالأمم هم الذين شاركوا أورشليم عندما لم يستطيع الناس أن تستوعب الكرازة بالسيد المسيح… وهذا ما حدث منذ استشهاد الشهيد إسطفانوس “أما الذين تشتتوا من جراء الضيقة التى حدثت بسبب إسطفانوس جالوا مبشرين بالكلمة” (أع 4:8) وهناك شواهد كثيرة تبين قبول معلمنا لوقا للأمم محفزاً الناس على قبولهم للإيمان وهو الذى ذكر الحوار بين بولس وبطرس عن قبول الأمم فى الكنيسة وتكلم عن إيمان كرنليوس (أع:10) بحسب تعاليم السيد المسيح “إكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” هذه الكلمات التى فهمها اليهود أنها مقصود بها اليهود المتشتتين ولم يفهموا أن المسيح يقصد الكرازة للأمم ولغير اليهود فكان القديس لوقا هو المحفز لمعلمنا بولس فى كرازته وقبول الأمم الذى دعاه سر مكتوم “أنهم شركائى فى الميراث والموعد والجسد”..

القديس بولس يريد أن يبين أن المسيح منذ الصعود وهو يشير إلى قبول الأمم فى الإيمان وبحسب تعبير أحد الآباء أن الأب متضع فالابن يمجده والابن متضع فالروح القدس يمجده والروح القدس متضع فالقديسين يمجدوه نعم “مقدمين بعضكم بعضاً فى الكرامة”.. الشعور بأفضلية الآخرين وأنهم جديرين بالخدمة.. ونحبهم بإخلاص لأنهم جديرين بالحب وليس تفضلاً منا..

وهكذا كانت تلمذة القديس لوقا للقديس بولس تكملة لتلمذته للسيد المسيح.

3- الرجاء :

معملنا لوقا البشير يبرز فى أنجيله أن المسيح صديق الخطاة والمنبوذين فهو الذى ذكر عنه قائلاً: “ابن الإنسان قد جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك” (لو 10:19) وإنجيل معلمنا لوقا البشير انفرد بمثل السامرى الصالح مفضلاً إياه كأممى عن اليهودى واللاوى والكاهن لأنه عمل عملاً صالحاً.

وفى (لو15) يتكلم عن الخروف الضال والابن الضال ليعطى رجاء للإنسان بالتوبة وأن الله يبحث على الإنسان إلى أن يأتى به إليه ويضمه من الضياع.

وذكر فى إنجيله قصة الفريسى والعشار وكأنه يعظنا بأن نحرص من كبرياء الفريسى الذى جعله مرفوضاً من الله ويعطينا من إنكسار العشار قدوة. وهو أيضاً أنفرد بقصة زكا العشار (لو 19) الذى كان رئيساً للعشارين الذين كانوا منبوذين من اليهود وعبر عن ذلك فى إنجيله قائلاً: “كان اليهود يتذمرون على التلاميذ قائلين أن معلمكم يجالس الخطاة والعشارين”.. وكانت إجابة مسيحنا مسيح الرجاء هكذا “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى”. وهو أيضاً الذى ذكر قصة توبة اللص اليمين منفرداً بها عن بقية الأناجيل التى تتحدث عن اللصين معاً أما معلمنا لوقا فهو الذى ذكر أن واحداً منهم أعترف قائلاً: “أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك” (لو 42:23).

جميع هذه المواقف تبين أن معلمنا لوقا يريد أن يؤكد أن هناك رجاء فى المسيح فهو جاء لا لكى يدين العالم بل لكى يخلصه.. ليس رجاء الأستهتار والتراخى والتواكل فنقول ربنا رحيم ونرتخى إنما لأجل التوازن انفرد أيضاً إنجيله بقصة الغنى ولعازر لكى لا نهمل خلاصنا فيكون لنا نصيب الغنى (لو 19:16).

4- الصلاة :

يركز معلمنا لوقا البشير على الصلاة فى انجيله فهو أبرز لنا :

1- المسيح عندما صلى فى بستان جثيمانى بالتفصيل قائلاً: “يا أبتاه إن شئت أت تجيز عنى هذه الكأس ولكن لتكن لا إرادتى بل إرادتك” وظهر له ملاك من السماء يقويه… وإذا كان فى جهاد كان يصلى بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض “لماذا أنتم نيام. قوموا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة” (لو 42:22-46).

2- أن المسيح قبل أن يختار تلاميذه “مضى إلى الجبل وقضى الليل كله فى الصلاة لله” (لو 12:6).

3- عندما جاء التلاميذ إليه فرحين قائلين: “حتى الشياطين تخضع لنا باسمك تهلل يسوع بالروح” قائلاً: “أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك اخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال… نعم أيها الأب لأنه هكذا صارت المسرة أمامك” (لو 21:10).

4- فى تعميم الصلاة وإذا كان يصلى فى موضع لما فرغ قال له واحد من تلاميذه: علمنا أن نصلى فقال لهم متى صليتم فقولوا: “أبانا الذى فى السموات…” (لو 1:11-4).

5- ثم ذكر مثل صديق نصف الليل.. (لو 5:11) ليعلمنا اللجاجة فى الصلاة.

6- فى مثل قاضى الظلم يبرز إنه إذا كان الرجل الظالم أعطى المرأة فكم وكم الرب العادل والغير ظالم فهو يعطى الروح القدس للذين يسألونه.. القديس لوقا يتكلم كإنسان مكرس.

7- فى قصة مريم ومرثا فهو أنفرد بذكر هذه القصة (لو 38:10-42) ليظهر أهمية مزج الخدمة بالصلاة ثم بدأ الإصحاح الحادى عشر “بتعليم السيد المسيح للصلاة وكأنه يقول لنا اختاروا الطريق الذى اختارته مريم وهو طريق الصلاة”..

تميز إنجيل معلمنا لوقا البشير بقصة الميلاد كما سمعها من العذراء نفسها فنجده يذكر بشارة العذراء – ولادة يوحنا – زيارة العذراء إلى إليصابات – تسبحة الملائكة فرحاً بميلاد يسوع.. ويسوع فى عمر 14 سنة.. وعندما أمسك بسفر أشعياء فقرأ يسوع النبوة قائلاً: “اليوم تم فى مسامعكم هذا المكتوب”.

أنفرد إنجيل معلمنا لوقا بذكر قصة الصعود بتفصيل وكملها فى سفر أعمال الرسل وحلول الروح القدس والكرازة فى الكنيسة فهذا هو معلمنا لوقا البشير نموذج للخادم الذى قلبه فى الخدمة وليس فى ذاته.

يفكر فى الرب بالصلاة.

يفكر فى الخطاة والمنبوذين فيشددهم ويشجعهم.

يفكر فى أخوته ويخضع لهم بإتضاع بعيداً عن مشيئة الخاصة.

لابد من علاقة قوية مع السيد المسيح كما يقول الإنجيل: “لما رجع الرسل حدثوه بما فعلوا فأخذهم على انفراد مدينة تسمى بيت صيدا” (لو 10:9-17).

لابد بعد أن نتعب ونخدم طول النهار يكون لنا خلوة مع الرب… وصلاة أثناء الخدمة ولكن فى آخر النهار أراجع حساباتى فأنال التسبيح والفرح… هذه هى الصلاة وعندما أخدم لابد أن أقدم المسيح الطيب الذى فيه رجاء لكل الناس ولكل متعب وبين أخوتى لابد من الخضوع وأتعلم منهم… وبكل تدقيق لابد أن ألاحظ نفسى فى كل أمر من أمور حياتى… مقتدياً بمعلمنا القديس لوقا البشير.
 

بقلم نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل

مشاركة المقال