القيامة تنجح العلاقات – نيافة الأنبا موسى

الرئيسية / القيامة تنجح العلاقات – نيافة الأنبا موسى

لاشك أن من يؤمن بالمسيح القائم، سيدخل فى علاقات محبة وبشارة تماماً كما فعل التلاميذ القديسين، حينما انطلقوا يبشرون بالمصلوب الحىّ. وكما فعل تلميذا عمواس، والمجدلية. وهنا يتم قول الرب: “تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِىءَ” (1كو 26:11). (القداس الباسيلى)، ومع أن المعمودية تجعلنى عضواً فى جسد المسيح، ذلك الجسد المقدس، الكنيسة، التى رأسها وعريسها هو رب المجد، والقديسون هم أعضاؤها السمائية، ونحن أعضاؤها المجاهدة على الأرض،
إلا أن عضويتى فى الكنيسة لا تعزلنى عن المجتمع، فالمسيحية أبداً لم تكن ديانة انعزال أو تعالٍ، بل بالحرى ديانة حب وخير وعطاء وتفاعل، مع كل البشر.

1- المسيح القائم… والإنسان المسيحى

+ المسيح هو نور العالم وأعطانا أن نكون نوراً للعالم (يو 8:12، مت5:14)

+ المسيح هو ملح الأرض، الذى أحياها ويحفظها من الفساد، وأعطانا أن نكون ملحاً للأرض (مت 5:13).

+ المسيح هو الخميرة المقدسة الحية، التى تخمر العجين كله، ونحن أخذنا منه هذه الصفة أيضاً، فصرنا قادرين بنعمته على نشر الحياة فى موات هذا العالم (1كو 5:6).

+ المسيـح هـو مرســل السفـراء، نحن نسعـى كسفـراء عنـه، ننقـل صورته إلـى العالـم، وننشر بشارته المحيية:”تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو 20:5).

+ والمسيح هو عطر الكون، بقداسته المطلقة، وفضائله التى ذاع صيتها فى كل الأجيال… ونحن نأخذ من عبق
هذه الرائحة الطيبة، وننشرها بين الناس (2كو 2:15).

من هنا يكون مسيح القيامة هو من يخلق من أبنائه أناساً متفاعلين مع من حولهم، بحب آسر، ونقاء كارز، وخدمة جذابة!!

2- القيامة… وتقديس الإنسان

ليس من شك أن من يؤمن بالمسيح القائم، يسكن فيه مسيح القيامة!! لهذا يقول الرسول: “الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ” (كو 27:1). إن مسيحنا الحىّ، حينما ترك القبر الفارغ، سكن فى قلوب تلاميذه.

ونحن مؤهلون أيضاً – بنعمته الإلهية والجهاد الأمين – لهذه السكنى الإلهية المقدسة.

لقد سبق أن عرفنا “اللوغوس” الموجود فى السماء، ثم “عمانوئيل”.. الله معنا حينما تجسد وحلّ بيننا، والآن صرنا نعرف “يسوع” المخلص، و “المسيح” الفادى، الذى يسكن فى قلوب أولاده. وسكنى المسيح فينا :

1- تقدس الكيان الإنسانى : حيث يثبت فينا ونثبت فيه، فنصير هيكلاً للروح القدس.. لهذا تسمى الكنيسة “الميرون” سر الختم (Sphragis) إذ نختم بروح الموعد القدوس، كما تسميه “سر التثبيت” حين يستقر فينا روح الله، فنصير “هَيْكَلاً مُقَدَّساً” (أف 21:2).

2- تقدس الفكر الإنسانى : “وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ” (1كو 16:2) فلا يدور فى أذهاننا إلا كل ما هو مقدس، ولا نتطلع إلا إلى كل ما هو جليل. وحتى لو أخطأنا وانحرفت أفكارنا، سرعان ما نرجع بها إليه “وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2كو 5:10).

3- تقـدس الوجـدان الإنسانى : إذ تنسكب محبة الله فـى قلوبنا “قَـدِ انْسَكَبَـتْ فِى قُلُوبِنَـا بِالـرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا” (رو 5:5). وهكذا تصير قلوبنا وفق قلب الله، مملوءة حباً، وتسكب محبتها للجميع، تلك المحبة الروحانية (أغابى)، وليس مجرد  المحبة الإنسانية (فيلى) ولا المحبة الجسدانية (أيروس).

4- تقــدس العمـلالإنسانى :فالسلـوك النابـععن كيـان تقـدس بالمسيـح، وفكـرهو فكر المسيح، ووجدان شبع بحب المسيح لن يتسم إلا بالحب والخير والعطاء، والمشاعر الطيبة نحو الجميع، حتى نحو من يريدون أن يناصبونا العداء!!

5- يقدس الرسالة الإنسانية : فمن أحب يسوع، أحب الجميع وحرص على خلاصهم، لذلك فهو يقدم الخدمة الحية، وأفعال الحب، ونور الإنجيل لكل من يراه أو يتعرف عليه.

إن أولاد الله قد يعملون كأطباء أو مهندسين أو مزارعين أو عمال ولكن هذه الوظائف هى “لتغطية النفقات”، أما عملهم الحقيقى فهو خدمة الرب، ونشر الكلمة.

6- يقدس المصير الإنسانى : فالمسيح الحىّ يسكب حياته فينا، وإلى الأبد. ألم يقل لنا “إِنِّى أَنَا حَىٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ؟!” (يو 19:14). ألم يقل الرسول: “لِىَ الْحَيَاةَ هِىَ الْمَسِيحُ” (فى 21:1)… كما قال أيضاً: “لأَنَّنَا الآنَ نَعِيشُ إِنْ ثَبَتُّمْ أَنْتُمْ فِى الرَّبِّ” (1تس 8:3).

إن حياتنا على الأرض هى حياة فى خيمة مؤقتة، نشتاق أن نخلعها لنسكن فى المساكن السمائية.

7- تعطى للوجود معنى : لأن سكنى المسيح فى داخلنا تجعلنا سعداء به، ونجاهد أن نسعد الآخرين به أيضاً كما قالت السامرية: “هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَاناً قَالَ لِى كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟” (يو 29:4). وكما أوصى الرب: “ﭐذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ” (مر 19:5)… وهكذا يصير للوجود الإنسانى معنى، فلا قيمة للحياة بدون المسيح، ولا خلاص للبشر بدون الفادى. ووجودنا فى هذا الكون، هو مجرد تمهيد واختبار ليمتد إلى وجود أبدى خالد، فى أورشليم السمائية.

 

3- القيامة… والإرسالية

حينما ظهر رب المجد لتلاميذه الأطهار :

+ أعطاهـم الـروح القــدس، ســر الكهنـوت، “وَلَمَّـا قَـالَ هَـذَا نَفَـخَ وَقَــالَ لَهُــمُ:

ﭐقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ” (يو 22:20).

+ وأعطاهم سلطان إجراء الأسرار المقدسة، “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو 23:20).

+ وأرسلهم للخدمة.. “كَمَا أَرْسَلَنِى الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا” (يو 21:20).

وهكذا انطلق الآباء الرسل، و “إِنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمَسْكُونَةَ حَضَرُوا إِلَى هَهُنَا أَيْضاً” (أع 6:17)، رغم صعوبة المواصلات، وندرة الإمكانيات المادية، وقلة عددهم (12 + 70)، إلا أن رسالة المسيح سرعان ما انتشرت فى كل أرجاء العالم المعروف آنئذ. كانوا حفنة من الصيادين البسطاء، وقلة من الفلاسفة الغيورين (مثل بولس)، إلا أن أجيالاً وأجيالاً صارت للمسيح.

وجاء بعد الآباء الرسل، الآباء الرسوليون، فسمعنا عن تيموثاوس وتيطس ثم عن بوليكاربوس وأغناطيوس… واستمرت سلسلة العطاء إلى اليوم، وستستمر إلى أن يأتى الرب فى مجده، فتنتهى هذه الأرض العتيقة، ونذهب إلى السماء الجديدة.

والخادم المسيحى قد يخدم “بالكلمة”، حينما ينشر كلمة الله فى كل مكان مرة بنموذجه المقدس، ومرة بكلماته المملحة بملح النعمة، ومرة برسالة على الإنترنت، أو آية على التليفون المحمول، أو زيارة لمنازل المؤمنين.

كذلك يمكن للخادم المسيحى أن يخدم “بالمحبة”، حينما يقدم محبة مسيحية حقيقية لكل من حوله، وإذ يتلامسون مع الحب، يكتشفون المسيح، أليس “اللهَ مَحَبَّةٌ”؟ (1يو 8:4). ألم تغير المحبة باخوميوس وتجعله أباً للرهبنة وسنداً للتائبين؟! كما أن المسيحى يمكن أن يخدم “بالشهادة”، بمعنى أن يرى الناس صورته المقدسة، فيدركون إمكانيات المسيح الفائقة، ويمجدوا الآب السماوى.

وأيضاً يمكن للمسيحى أن يخدم “بالصلاة”، فالصلاة من أجل الآخرين،تحرك قلوبهم بالروح القدس، لهذا يقول الرب: “مِنْ جِهَةِ بَنِىَّ وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ يَدِى أَوْصُونِى” (إش 11:45).

إن وسائل خدمة كثيرة، وقد أرسلنا الرب لنقوم بها.

وفى الإصحاح الثانى عشر من الرسالة إلى رومية نقرأ عن خدمات كثيرة مثل

1- خدمة ” الدياكونيا ” : مثل خدمة بيوت الطلبة والطالبات، ودور المسنين، ورعاية الصم والبكم، والمكفوفين، وخدمـة المعوقين بدنيــاً أو ذهنياً،وخدمة الفقراء، ودور الإيواء، والمستشفيات، والأحياء الشعبية، والقرى المحتاجة… إلخ.

2- خدمة ” النبوة ” : والمقصود بها الوعظ الممسوح بالروح القدس أو الإنباء بالمستقبل الذى يعطى لقلة من المؤمنين، بحسب قامتهم الروحية، واحتمالهم لهذه العطية دون السقوط فى الكبرياء.

3- خدمة ” الوعظ ” : أى حث المؤمنين البعيدين على التوبة والمؤمنين القريبين على استمرار وتعميق التوبة، لتكون توبة شاملة، تشمل كل جنبات الحياة الإنسانية: الفكر، والحواس، والمشاعر، والإرادة، والسلوكيات، والتوجهات…

4- خدمة ” التعليم ” : أى نشر كلمة الله بكل الوسائل الممكنة، ولكل النفوس المحتاجة… الكلمة المسموعة (بالكاسيت) والمنطوقة (فى العظات)، والمرئية (بالفيديو)، والإلكترونية (على الإنترنت)، والمكتوبة (فى الكتب والمجلات والنبذات). والتعليم مطلوب للشخص الواحد (العمل الفردى)، والأسرة (العمل الأسرى)، والتجمعات (العمل الكنسى)…

5- خدمة ” التدبير ” : أى إدارة الأعمال الكنسية بصورة مسيحية جيدة… فالمهندس والمحاسب والمدرس والمحامى والزراعى… كلهـم تحتاج إليهم الكنيسـة فى إداريـات هامـةوكثيرة، وأساسية لخدمة أعضاء المسيح.

6- خدمة ” الرحمة ” : كالعطف على فقراء الروح، أو فقراء المادة، المرضى، والمسجونين، والحزانى.

7- خدمة ” المشاعر ” : أى المشاركة الوجدانية للناس “فَرَحاً مَعَ الْفَرِحِينَ، وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو 15:12)، فى كل المناسبات العائلية والاجتماعية.

8- خدمة ” العبادة ” : كالتسبيح والصلاة: الفردية والعائلية والكنسية.. فى القداسات والأجبية والصلوات السهمية والحرة.

9- خدمة ” إضافة الغرباء ” : التى بها أضاف قوم ملائكة.. كأبينا إبراهيم أب الآباء…

10- خدمة ” العطاء ” : بسرور وسخاء ولكل المحتاجين مادياً وروحياً وإنسانياً.

إن مسيح القيامة يقف فى “وسط” قلوبنا الآن ليرسلنا للخدمة… ومجالات الخدمة بلا حدود…

فهل نستجيب؟!

مشاركة المقال