بين الضبط والكبت – نيافة الأنبا موسى الأسقف العام

الرئيسية / بين الضبط والكبت – نيافة الأنبا موسى الأسقف العام

لاشك أن هناك إمكانية جيدة لضبط الدوافع، والتحكم فى الغرائز، بدلاً من أن تتحكم هى فينا!! ولاشك أن نعمة السيد المسيح وعمل روح الله، مع الجهاد الإنسانى والأمانة فى الحياة اليومية، يمكن أن تحفظ الشباب سليماً، وتعطيه إمكانية النصرة والظفر، فى جهاده مع دوافعه الطبيعية، وغرائزه الموروثة.

والغريزة لها ثلاثة جوانب، كلها قابلة للتعديل والتسامى والضبط، بقوة روح الله، وهذا مثال هام :

غريزة الجسد :

1- يمكن ترقية الجانب الإدراكى، وذلك من خلال الثقافة الجنسية المسيحية، لكى ينشأ شبابنا واعياً لمعنى الجنس فى حياة البشر، وكيف أنه المحبة الطاهرة (أغابى) وليس الشهوة الحسية (إيروس).

ولماذا وضعه الله فينا، كميدان لإرتباط الحب النقى بين الزوجين، وكثمرة له يكون التناسل وحفظ النوع الإنسانى.

2- ويمكن ضبط الجانب الإنفعالى، فالإنسان الروحى هو “من تحكم روحه جسده، ومن يحكم روح الله روحه”، كما علمنا قداسة البابا شنوده الثالث. لذلك فهو لا يجد صعوبة فى ضبط رغباته وشهواته وإنفعالاته، ونجاحه، لأن رغبات أخرى مقدسة، بدأت تملأ جنبات قلبه، وتغمر حياته بنور إلهى مقدس، وشبع روحى فائض. كما أن روح الله يعطى الإنسان قدرة الضبط وقوة الإرادة.

3- ويمكن ضبط الجانب النزوعى، بمعنى منع الجسد من التحرك نحو الخطيئة، حيث أننا ضبطنا بالروح الإنفعالات والحواس والسلوكيات، وهكذا ينجو الإنسان من الممارسات الخاطئة والتصرفات المنحرفة.

بين الضبط والكبت :

وهنا يجب أن نميز بين الضبط والكبت :

1- فالكبت : معناه شهوات سلبية كثيرة متزايدة، تضغط على باب الإرادة الضعيفة المتهاون… فيكبت الإنسان شهواته لفترة، ولكنها إذ تتزايد تضغط على باب الإرادة الضعيف، فتحطمه، وتخرج خارجاً، فتكون الإباحية والإنحراف العلنى والسرى.

2- أما الضبط : فبحلول السيد المسيح داخل القلب، وعمل نعمة الله فى الإنسان، تتوارى وتنزوى الشهوات السلبية، وتضعف جداً فى داخل القلب، بينما تقوى الإرادة بعمل الروح القدس، ويمتلئ القلب برغبات طاهرة مقدسة مثل حب السيد المسيح، والكنيسة والصلاة، والتسبيح، والخدمة…

وهكذا لا يكون هناك كبت، بل ضبط ممكن للشهوات السلبية المتناقصة، وإنطلاقة مفرحة للرغبات الإيجابية المقدسة، وتقوية مبهجة للإرادة الإنسانية المتفقة مع إرادة الله.

إذن، فالطهارة لدى الشباب المسيحى لا تنبع من كبت (شهوات سلبية + إرادة ضعيفة) ولكن من ضبط (رغبات مقدسة + إرادة قوية).

نعم… سوف تستمر الحرب الروحية، ولن يصير الإنسان معصوماً من الخطأ على هذه الأرض، لكنه سيتمكن من النصرة على الشهوات السلبية الضعيفة الكامنة فيه، بقوة الروح، وأمانة الجهاد!!

الطريق العملى للنصرة :

لقد رسم لنا الكتاب المقدس الطريق العملى للنصرة الروحية، إذ وضع أمامنا الركائز التالية :

1- الشبع الروحى : “فالنفس الشبعانة تدوس العسل” (أم 2:27)، فحتى لو كانت الخطيئة عسلاً لذيذاً، إلا أنه مسموم!! والشبع الروحى يجعل الإنسان مكتفياً بأغذيته الروحية، فلا يحتاج
ولا يميل إلى العسل المسموم الذى تقدمه لنا الخطية.

ويكون الشبع الروحى بمصادر كثيرة مثل :

+ الصلوات : القداس – الأجبية – الصلوات السهمية – الصلوات الخاصة.

+ الإنجيل : حيث نجد فى الكتاب المقدس بعهديه، غذاءً روحياً دسماً، وخبرات إنسانية هامة، ووصايا وتعاليم ومعجزات ووعود إلهية…

+ الأسرار : إذ يشبع الإنسان بالتناول المقدس، بعد أن يفرح بالتوبة والغفران ويأخذ الإرشاد المناسب فى الإعتراف.

+ التسبيح : إذ يتسامى بالفكر إلى آفاق سمائية وإلهية، ويقف بنا خاشعين فرحين أمام عمل الله وكمالاته.

+ المناسبات الكنسية : كالأصوام التى تنطلق بالروح وتضبط الجسد، والأعياد التى تبهج النفس، فلا تبحث عن أفراح الأرض الزائلة.

+ الخدمة : إذ يفرح الإنسان بالعطاء، ويستفيد من بركات الخدمة: الروحية والفكرية  والإنسانية… إذ “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أع 35:20).

+ القراءات الروحية : التى تنير الطريق، وتدسم النفس، وتشبع الذهن. وقد قال القديس أنطونيوس: “أتعب نفسك فى القراءة، فهى تخلصك من النجاسة”، “كثرة القراءة تقوم العقل الطواف”.

+ الإجتماعات الروحية : حيث تشبع النفس بالشركة مع الله فى الصلاة، والإستماع إلى كلمات النعمة فى العظة، والتفاعل بمحبة مع بقية أعضاء الجسد المقدس، الكنيسة، من خلال تكوين صداقات وعلاقات بناءة.

2- الجهاد الأمين : إذ يعلمنا الكتاب المقدس: “كل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شىء” (1كو 25:9).

+ “إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً” (2تى 5:2).

+ “لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية” (عب 4:12).

ونتذكر هنا جهاد آبائنا الرهبان مع كل أنواع الخطايا، سواء فى مجال الجسد أو الفكر أو النفس أو الروح، وكيف انتصروا بنعمة السيد المسيح، على كل حروب العدو، وصاحوا مع النبى: “ليقل الضعيف بطل أنا” (يؤ 10:3)، ومع الرسول: “أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى” (فى 13:4)… “يعظم إنتصارنا بالذى أحبنا” (رو 37:8).

وماذا نقول عن إنتصار الشهداء الذين رفضوا إنكار السيد المسيح، أو التبخير للأصنام، أو التخلى عن العقيدة الأرثوذكسية، أو عن الطهارة والعفة، وكانوا على إستعداد أن يموتوا بأى طريقة، رافضين الخضوع للإثم أو الإنحناء للشيطان.

3- الإعتراف الأمين : فمهما كان الشبع الروحى، ومهما كان الجهاد الأمين، فلن يصير الإنسان معصوماً من الخطأ، ولابد أن يتعثر من آن لآخر. ولهذا رسم لنا الرب، وكنيسته المقدسة، سر التوبة والإعتراف، الذى فيه نأخذ حِلاً وحَلاً، كما علمنا قداسة البابا شنوده الثالث، إذ حينما نعترف بأمانة وانتظام وروح توبة وإستعداد جيد، ننال غفراناً لخطايانا، كما نأخذ إرشاداً لأرواحنا من الأب الروحى، كيف نسلك فى طريق القداسة، وكيف ننتصر على خطيئة ما، وكيف نحل مشكلة نتعرض لها… الخ.

ومهما كان تكرار السقوط فى بعض خطايا المرحلة، فالرب ينتظرنا فاتحاً ذراعيه، قائلاً بفمه الطاهر: “من يقبل إلى لا أخرجه خارجاً” (يو 37:6). المهم أن نستمر فى الشبع والجهاد والاعتراف الأمين، وهكذا تتوارى الخطيئة من حياتنا: كماً وكيفاً‍‍‍‍!! أى أننا لا نزيد على خطايانا خطايا جديدة، ونبدأ أن ننتصر تدريجياً على خطايانا القديمة، فنتحرر من العادات المسيطرة، وإن كنا نتعثر من آن لآخر، ثم نتركها تماماً بالفعل، ثم ننتصر على مجرد الميل الداخلى نحوها، بنعمة السيد المسيح وأمانة الجهاد… فيكون التعثر بعد ذلك قليلاً، والنصرة هى الأمر الغالب.

وفى هذا يقول معلمنا يوحنا: “كتبت لكم يا أولادى لكى لا تخطئوا” (1يو 1:2)، (هذا هو جهادنا وهدفنا أن لا نخطئ)، “وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا” (1يو 1:2،2). أى أن النصرة ستكون هى الأمر الغالب، والتعثر يأتى من آن لآخر، والرب يسوع يسند ويغفر ويبارك جهادنا.

4- روح الرجاء : فالرب “لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح” (2تى 1:7)، وهكذا فمهما فشلنا فى محاربة أمر ما، فإن النصرة قادمة هى فى الطريق، وعلينا أن لا نيأس مطلقاً، فالرب هو الذى وعدنى: “لا تخف، آمن فقط”
(مر 36:5)، وطلب منى أن أقول دائماً: “لا تشمتى بى يا عدوتى، لأنى إن سقطت أقوم” (مى 8:7)، “إذا جلست فى الظلمة، فالرب نور لى” (مى 8:7).

ومعروف أن “الصديق يسقط سبع مرات ويقوم” (أم 16:24). المهم أننا فى النهاية نقوم، بقوة السيد المسيح، وأمانة الجهاد الروحى.

وقديماً قال الآباء: “أليق بنا أن نموت فى الجهاد، من أن نحيا فى السقوط”… فلنجاهد إذن بكل قوتنا، فإذا حدث وتعثرنا، علينا أن لا نيأس، بل نمتلك روح الرجاء، فى إلهنا المحب الذى يغفر لنا خطايانا، ويسندنا أمام ضعفاتنا، وينصرنا على عدو الخير.

ختاماً…

يتحدث علماء النفس عن “التسامى” (Sublimation) أو “الإعلاء”، وهو كيميائيا التحول من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية، دون المرور بالحالة السائلة.. وروحياً هو تحويل طاقة الجسد والجنس إلى أمور أخرى روحية مقدسة كالمحبة الإلهية، والصلوات، والتسبيح، وخدمة الآخرين، والهوايات، والإبداع، والرياضة، وكافة الأنشطة البناءة.

من هنا نقول لشبابنا المبارك أن يشبع بالسيد المسيح، ويجاهد بأمانة، ويعترف بإنتظام، ويقتنى روح الرجاء، وهكذا ينتصر على كل دوافعه وغرائزه، ويهتف مع رسولنا المحبوب “فى هذه جميعها، يعظم إنتصارنا بالذى أحبنا”
(رو 37:8)… “أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى” (فى 13:4).

 

 

مشاركة المقال