تجسد ليفديني

الرئيسية / تجسد ليفديني

تجسد ليفديني

HTML clipboard

تجسد ليفديني … بقلم نيافة الأنبا موسى

“ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه عن أحبائه…” (يو١٥: ١٣)

كان الهدف الأول من التجسد هو: التعليم!
ولكن التعليم لا يكمل إلا بالقدوة!
والقدوة لا تكمل إلا بالحب!
والحب لا يكمل إلا بالفداء!
وهكذا كان الفداء!!
الحب الإلهي غير محدود!
ولكن العدل الإلهي أيضًا غير محدود!
ولا يمكن أن يكون إلا إلهًا:
حبه عادل! وعدله محب.

ولا نستطيع أن نهتم ونتقبل إحدى كمالات الله، دون أن نهتم ونتقبل كمالاته الأخرى.

ذلك لأن البعض يريدون من الله أن يكون محبا! فقط، ويستكثرون عليه أن يكون عادلًا!
وهذا خطأ جسيم،
سببه تغليب العاطفة على العقل، والفكر الفردي على فكر الآباء!

أولاً: نتائج السقوط

لقد نتج عن السقوط – إذن – أمران جوهريان هما:

١- حكم الموت.
٢- فساد الطبيعة الإنسانية.

١- حكم الموت:
وهو موت رباعي.

1- الموت الجسدي:
إذ يمرض الإنسان ويشيخ ويدفن في التراب.

2-  الموت الروحي:
إذ يحيا الإنسان منفصلًا عن الله.

3-  الموت الأدبي:
حيث سقط الإنسان من رتبته، وخرج من جنة عدن، وتألبت عليه الطبيعة المادية، والنباتية، والحيوانية…

4- الموت الأبدي:
إذ سيطر عليه – لفساده – حكم الموت، في الجحيم، ثم جهنم.

٢- فساد الطبيعة:

إذ تلوث الإنسان، وانحرفت مكوناته، وتألبت عليه غرائزه وشهواته وأنانيته، فقتل، وزنى، وسرق، وأصبحت نفسه ينبوعًا للآثام، تزداد في كميتها ونوعياتها كل يوم،
وحتى الآن، إذ يبتدع إنسان لنفسه شهوات كثيرة، وجديدة ومنحرفة..
وها هو الآن يحاول تقنينها ضميريًا ومدنيًا وحتى دينيًا… كما يحدث في الغرب الآن ….

وأخيرًا جاء الفادي.

كان لابد من فادٍ يدفع عن البشرية حكم الموت، ويطهرها من فساد الطبيعة…  وأن يكون هذا الفادي بصفات خاصة، تؤهله للقيام بهذا العمل المجيد إذ لابد أن يكون:

1- غير محدود:
لأن خطية آدم وحواء غير محدودة، إذ أنها موجهة نحو الله غير المحدود، وعقاب أي خطأ يكون بحسب الموجه إليه هذا الخطأ.

2– بلا خطيئة:
لأن الفادي لو كان خاطئًا، لأحتاج من يفديه… إن فاقد الشيء لا يعطيه.

3– خالقًا:
حتى يستطيع تجديد طبيعة الإنسان التي فسدت، هذا أمر لا يستطيعه إلا الخالق!

4– إنسانًا:
فالإنسان هو الذي أخطأ، ولابد لمن يموت ليفديه أن يكون إنسانًا، لكي يمثل الإنسانية المفتداة.

5- قابلًا للموت:
لأن أجرة الخطية موت، ولابد من دفع ثمن السقوط، وهو تنفيذ حكم الموت.بل لابد لهذا الموت أن يصاحبه سفك دم… “لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب ٩: ٢٢).

بل لابد لسفك الدم من أن يكون على عود الصليب، لأنه مكتوب: “ملعون كل من علق على خشبة” (غل ٣: ١٣)… ذلك لكي يغسل الرب لعنة الإنسان ولعنة الأرض. “ملعونة الأرض بسببك” (تك ٣: ١٧).

ويستحيل – بالطبع – أن تجتمع هذه المواصفات، لا في إنسان، ولا في ملاك ولا فى رئيس ملائكة، ولا في نبي.. فمن يحقق بعضها لا يحقق البعض الآخر…
لهذا جاء التجسد بمثابة الحل الوحيد لإنقاذ الإنسان وفدائه، لأن “الكلمة” حينما تجسد وتأنس، استطاع أن يوفى كل مواصفات الفادي، وكل مطاليب العدالة الإلهية، والحب الإلهي بآن واحد:

* بلاهوته:
كان غير محدود، وبلا خطية، وخالقًا ..

* وبناسوته:
كان إنسانًا، قابلًا للموت، وسفك الدم بالصليب.

وهكذا ارتفع الرب يسوع على الصليب، ليحمل عقاب خطايانا، ويرفع عنا ديوننا، ويطهر لنا طبيعتنا الساقطة، ويردنا إلى صورتنا الأولى كأولاد الله.. لك الشكر يا رب!!

ثانيا:ً فاعليات الفداء

الفداء، هو سر خلاص البشرية، وبدون الفادي ليس سوى الهلاك: بالموت الذي حكم به علينا، وبالفساد الذي ورثته طبيعتنا، وبالخطايا اليومية الناتجة عن ذلك.

لكن الرب يسوع حينما فدانا على عود الصليب، قدَّم لنا من خلال دمه الطاهر فعاليات خمس هي:

1- الغفران:
إذ “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب ٩: ٢٢)  “فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا” (أف ١: ٧)  فها هو دم المسيح يغفر للتائبين كل خطاياهم، حيث حمل الرب “خطايانا في جسده على خشبة” (١بط ٢: ٢٤).

لذلك فمهما كانت خطايانا فأمامنا باب التوبة المفتوح، “من يقبل إلَّى، لا أخرجه خارجًا”(يو ٦: ٣٧)، “محوت كغيمة ذنبوك، وكسحابة خطاياك. وخطاياك لا اذكرها” (إش ٤٤: ٢٢)،
“كبعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا” (مز ١٠٣: ١٢)  “طرحت خطاياك وراء ظهري… لا أذكرها” (إش٤٣: ٢٥).

2- التطهير:
فالغفران يخص الماضي، أما التطهير فيخص الحاضر “دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية”(١يو ١: ٧). وهكذا فمن يلجأ إلى الرب يسوع، وإلى دمه الطاهر، ويتطهر من كل خطية!  وأرجو من القارئ الكريم ملاحظة كلمة “كل”.

3- التقديس:
وهذا يخص المستقبل، فالغفران يكون لما ارتكبتاه في الماضي من خطايا، والتطهير يخص حاضرنا المدَّنس، أما التقديس فيخص مستقبلنا الروحي، ذلك حينما يقدسنا دم المسيح، أعمالًا لفعل الميرون فينا، وسكنى روح الله داخلنا.. يسوع “لكي يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب” (عب٩). والتقديس هنا لا يعنى العصمة، ولكنه يعنى التخصيص والتكريس والتدشين والملكية..  فروح الله الذي أخذناه بالميرون المقدس، يضرم بفعل التناول المستمر، من جسد الرب ودمه فيزداد، تكريسنا عمقًا وشمولًا: من الفكر، إلى الحواس، والمشاعر، والإرادة، والأعمال، والخطوات.

4- الثبات:
إذ قال الرب: “من يأكل جسدي ويشرب دمى، يثبت فيَّ وأنا فيه” (يو ٦: ٥٦)…  التناول إذن ثبوت الرب، وثبوت للرب فينا وما أمجدها من حياة، أن يسكن فينا المسيح، ويجعل من قلوبنا مذود له، ومن بيوتنا كنائس يسكناها، لذلك يوصينا “أثبتوا فيَّ” (يو ١٥: ٤)، علينا أن نكثر من تناولنا من جسده ودمه الأقدسين.

5– الحياة الأبدية:
إذ قال لنا بفمه الطاهر: “من يأكل جسدي ويشرب دمى، فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يو ٦: ٥٤)..  إذن فجسد الرب دمه يعطينا إمكانية القيامة.. فالخلود، والدخول إلى ملكوته الأبدي السعيد.. يا لعظيم محبة الله..!!

أن يرفعنا من طين الخطية إلى عرش نعمته!.. ومن ضعف الجسد إلى أمجاد أورشليم!.. ومن شركة الترابيين إلى شركة سكان السماء!

ثالثاً:ماذا علينا الآن؟

١- إن كان دم المسيح يغفر فعلينا بالتوبة.

٢- إن كان دم المسيح يطهر.. فعلينا بالإلحاح في الصلاة!!

٣- إن كان دم المسيح يقدس.. فلنفحص مدى تكريسنا له!!

٤- إن كان دم المسيح يثبت.. فلنشبع به في التناول!!

٥- إن كان دم المسيح يحيىّ.. فلنرفع قلوبنا إلى فوق!!.

(نيافة الأنبا موسى اسقف عام الشباب)

مشاركة المقال