ضوابط إتخاذ القرار – نيافة الأنبا موسى الأسقف العام

الرئيسية / ضوابط إتخاذ القرار – نيافة الأنبا موسى الأسقف العام

إن أى قرار نتخذه فى حياتنا له – بالضرورة الأثر البعيد، إما إيجابياً أو سلبياً. لذلك كان لابد من ضوابط تساعدنا على الوصول إلى القرار الصحيح، خصوصاً إذا تذكرنا محدودية الإنسان: عقله، وقدراته، ورؤيته، وعدم قدرته على معرفة ما يحمله المستقبل من مفاجآت، والمصادمات اليومية فى الحياة مع النفس، ومع الآخرين، الأكبر والأصغر منا.

كما أن الإنسان يحتاج نفسياً إلى “الحرية” ولا ينمو بدونها، إلا أنه محتاج أيضاً إلى “الضبط”، ويستحيل أن ينمو بدونه. هنا يكون الاتزان والتوازن، وهذه شريعة الحياة.

فلو أننا أسرفنا فى إعطاء أنفسنا الحرية، انفلتنا إلى نوع من الفوضى أو التفكك أو الإحساس بالضياع. ولو أننا أسرفنا فى جرعة الضبط المطلوبة، سقطنا فى الإحباط والقنوط وحتى اليأس.

من هنا تحتاج الطبيعة الإنسانية إلى مزيج بناء من الحرية والضبط، بحيث لا نتطرف يمينا نحو انفلات مدمر، أو يساراً نحو إحباط يحطمنا.

ولهذا السبب بالضبط خلقنا الله احراراً، وتركنا نختار طريقنا فى الحياة كما نريد، لأنه لا يحب أن يرانا دمى تافهة أو قطع شطرنج فى جنته السعيدة، بل يريدنا أن نختار الحياة معه وله، عن قناعة وفرح ورضى.

كما أنه وضع فى أعماقنا الضمير أو الشريعة الأدبية أو الناموس الطبيعى، حتى يساعدنا بأنواره الكاشفة وأصواته البناءة، فى تحديد المسار فى حرية وفرح، بعد أن نختبر متاعب الإنحراف والمعاندة، وبركات الحياة مع الله فى طريق الخير.

فما هى يا ترى الضوابط الذى تساعدنا على التحقق من صحة اختيارنا وسلامة قراراتنا؟

1- الروح القدس:

العامل فى الضمير، ذلك الصوت الإلهى، الذى يأتينا من عند الله، والذى يزداد إرهافاً وحساسية بسكناه فينا.

فالروح القدس غير الضمير، وغير الروح الإنسانية. إنه الأقنوم الثالث فى إلهنا الواحد، الأقنوم الذى يفعل فينا، وينقل إلينا بركات الفداء، ويضئ لنا الطريق: يبكتنا كلما أخطأنا، ويشجعنا كلما أصبنا، ويسكب النور فى قلوبنا فنميز الأمور المتخالفة، كما يغرس طريقنا بالنور فنعرف كيف نسير وفى أى طريق نتجه. وهكذا فالذين “يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ” (رو 14:8)، والإنسان الذى يحب أن يضبط مساره، ويتأكد من صحة قراره، عليه أن يصلى فى إلحاح، وبروح كلها إخلاص فى معرفة مشيئة الله،وفى تسليم صادق لإرادته وتفكيره لإرادة الله وتفكيره..

وهكذا.. إذ يشعر براحة ضمير، واستقرار وسلام نفسى، دون انفعال أو تشنج، يحس أن روح الله مستريح فيه لهذا القرار أو ذاك. وبالطبع فلابد أن يكون القرار متفقاً مع معطيات الإنجيل وطريق القداسة.

هذه قوة ضابطة هامة، عوّدتنا الكنيسة أن نطلبها باستمرار فى صلاة الساعة الثالثة، ونكررها فى صلوات نصف الليل (أيها الملك السمائى المعزى روح الحق، الحاضر فى كل مكان والمالئ الكل، كنز الصالحات ومعطى الحياة، هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا).

وما تطهير القلب من تلوث الخطية وانحراف الغرض والمشيئة الذاتية الأنانية، سوى خير ضمان لسلامة المسيرة وصحة القرار. ألم يقل لنا الرب عن الروح القدس: “مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ” (يو 13:16).

علينا إذن أن نصلى باستمرار كلما تحيرنا، طالبين من الرب أن يكشف لنا مشيئته وسوف نستريح إلى اتجاه معين، يشهد الكتاب المقدس على صحته وسلامته، فنتحرك فى هذا الاتجاه فى روح الصلاة والتسليم، تاركين للرب أن يكمل الطريق أو يلغيه، كاشفاً لنا مشيئته
التى سنتقبلها بفرح.

وليكن شعارنا قول المرنم: “تَمَسَّكَتْ خَطَواتِى بِآثَارِكَ فَمَا زَلَّتْ قَدَمَاىَ” (مز 5:17)، ولنسمع فى كل حين وعد الرب: “أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِى تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِى عَلَيْكَ” (مز 8:23).

2- الأب الروحى:

وهذا ضابط آخر غاية فى الأهمية، ذلك عملاً بقول القديسين: الذين بلا مرشد، هم كأوراق الخريف، سريعاً يسقطون. وتنبع أهمية أب الاعتراف فى القرارات المصيرية من عدة منطلقات:

أ– الأب الحانى المحب، الذى يهمه أمرى، ويحب أن يطمئن إلى كل خطوات مسارى.

ب- وهو وكيل السر، الذى يصلى معى أثناء الاعتراف طالباً من الرب أن يرشده ويرشدنى لما فيه خير حياتى.

ج- وهو الأكثر خبرة، بسبب المواقف الكثيرة التى عاشها شخصياً، أو من خلال خدمته.

د- وهو الانضج سناً بحيث يرفعنى من انفعالات واندفاعات الشباب المبكر، وينبهنى إلى خطورتها..

ه‍- وهو الصوت الروحى والصوت العاقل، الذى يمكن أن يخرجنى من “الحصر النفسى” الذى أحياه حينما أدرس مشكلتى بمفردى داخل “خزانتى النفسية”.

إن مجرد “فرد” النفس وكشفها أمام أب روحى، كفيل بأن يعيد تقييم الأمور إذ يفرغ شحنتى الانفعالية فلا تتحكم نفسى فىَ، ولا عواطفى، ولا انفعالاتى، بل يتحكم روح الله، والعقل المستنير بالروح والإنجيل، فى مسار حياتى.

وهكذا يكون دور أب الاعتراف غاية فى الأهمية فى ضبط المسار، واتخاذ القرار، وبالذات فى الامور المصيرية. خصوصاً إذا أضفنا إلى ذلك عنصر إخلاص الأب لابنه الروحى، وصلواته من أجله، وكتمانه لأسرار حياته.

لذلك ليتك تعرض أفكارك يا أخى الحبيب على أبيك الروحى، ويجب أن يكون واحداً ثابتاً، لا يتغير ما لم تكن هنالك ضرورة قصوى، حتى يكون شاعراً بمسار حياتك من مرحلة إلى مرحلة، وبظروفك الفردية والعائلية والعامة، ومن هنا يقدم لك المشورة المناسبة مسترشداً بروح الله القدوس.

3- الحــــــوار:

وهذا هو الضابط الثالث فى الحياة، فما أخطر أن يعتمد الإنسان على فكره الخاص، ويرفض أن يتحاور مع غيره حتى فى أموره الخاصة، أن فكرك الخاص هو بالقطع فكر محدود، معرض للصواب والخطأ. كما أن تفكيرك بمفردك يسقطك فى “شرك نفسى”، هو التفكير الانفعالى المقود بالعاطفة، وأحياناً بالغريزة.

كما أنك بمفردك ستركز على زاوية فى الموضوع ناسياً زوايا أخرى هامة. أما خروجك من هذه القوقعة الذاتية إلى شركة المحبة، مع الأسرة، أو الأصدقاء البنائين، أو خدام الكنيسة، أو أبيك فى الاعتراف.. هذا كله يغمر موضوعك بالضوء، ويساعدك على اكتشاف نفسك، ودوافعك، وزوايا الخطأ والصواب فى الأمر، والمسار المطلوب والبناء، وطريقة الوصول إليه وتنفيذه.. وهكذا. أما “الانحصار فى الذات” والحياة داخل قوقعة ذاتية محضة، فأمر أشبه بالحياة داخل حجرة تسرب فيها الغاز، وأضحت محفوفة بالمخاطر أو الحارقة.

إذن، فلنخرج من ذواتنا، ونناقش فى روح هادئة، قابلة للنقد، والتعلم، معترفة بإمكان الخطأ وبحقيقة أن الإنسان ضعيف ومحدود.. وهكذا بالحوار الوديع، بقلب مفتوح، وعقل واع، نصل إلى القرار الحسن

ولكن هذا لا يعنى أن أحاور أى إنسان أو كل إنسان فى أمورى، فقديماً قال الآباء.

“لا تكشف نفسك إلا أمام من يمكنه أن يساعدك لخلاص نفسك”. فالكلام هنا ينطبق على الأسرة والأصدقاء البنائين والخادم الكنسى وأب الاعتراف..

ولكنه بالقطع لا ينسحب إلى “الشلة” أو الأصدقاء المنحرفين، الذين هم فى حاجة إلى من يرشدهم. فلا تكن مثل رحبعام بن سليمان الملك، الذى ترك مشورة الشيوخ بأن يخفف على شعبه ويعاملهم بحب وإتضاع، وانساق إلى مشورة الشبان الذين نصحوه بأن يقسوا على الشعب، فتمزقت المملكة، واستمرت هكذا لمئات السنين. ولنذكر كلمات الحكيم: “اَلْمُسَايِرُ الْحُكَمَاءَ يَصِيرُ حَكِيماً وَرَفِيقُ الْجُهَّالِ يُضَرُّ” (أم 20:13).

 

مشاركة المقال