عطايا الله للإنسان فى المسيحية (ب) – نيافة الأنبا موسى

الرئيسية / عطايا الله للإنسان فى المسيحية (ب) – نيافة الأنبا موسى

تحدثنا فى العدد الماضى إن عطايا الله للإنسان فى المسيحية كثيرة ومتميزة، وهى أوسع وأعلى بكثير مما يتصوره البشر، وذكرنا من هذه : 1- عطية الوجود 2- عطية الرعاية الإلهية .. نستكمل حديثنا :

3- عطية الحرية :

خلق الله آدم وحواء أحراراً، ولما أكلا من الشجرة – على عكس الأمر الإلهى وباختيارهما الحر – سقطا تحت حكم الموت، وفسدت طبيعتهما. الإنسان مدعو أساساً لأن يكون أبناً لله، وكان الأنبياء والرسل عبر العصور يبلغونهم بالدعوة للحياة المقدسة، لكن الاستجابة للدعوة مسئولية شخصية. الابن الضال هو الذى قرر أن يترك بيت أبيه، وهو الذى أتخذ قرار العودة “اقوم واذهب إلى أبى وأقول له يا أبى اخطات إلى السماء وقدامك ولست مستحقاً بعد أن ادعى لك ابنا اجعلنى كأحد أجراك” (لو 18:15-19). إن الحياة مع الله لا تلغى حريتنا، بل تضيف إليها، إذ أن الله يعطينا قوة النصرة على إغراءات العالم، وضغوط الجسد، وإثارات الآخرين، ومحاربات الشيطان. لهذا يقول الرسول :

“إنما دعيتم إلى الحرية أيها الأخوة، لا تصيروا الحرية فرصة للجسد” (غل 13:5).

“فاثبتوا فى الحرية… ولا ترتبكوا بنير عبودية” (غل 1:5).

الحرية الحقيقية ليست هى الممارسة المستمرة للخطيئة، فهذه هى عين العبودية، بل هى حرية الروح، وإمكانية النصرة. الحرية هى القدرة على الاختيار، والقدرة على الانتصار. وهذا ممكن بقوة الله الذى يعمل فينا بنعمته الإلهية، فنكون أقوياء أمام إغراءات الشر، ومنتصرين بقوة عمله فينا، وبأمانة جهادنا معه.. والإنسان المؤمن يضع لنفسه ضوابط هامة مثل :

1- الضمير… الذى يتحدث داخلنا… كصوت من إلهنا المحب.

2- الأسفار المقدسة… التى تنير طريقنا وتعرفنا الصواب من الخطأ.

3- التعليم الكنسى… الذى يفسر لنا كلمة الحق.. ويشرح لنا نصوص كلمة الله.

4- قوانين الدولة… التى نعيش فيها.. إذ يعلمنا الكتاب المقدس: “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هى مرتبة من الله… أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ أفعل الصلاح فيكون لك مدح منه… ولكن إن فعلت الشر فخف، لأنه لا يحمل السيف عبثاً…” (رو 1:13-7). وهكذا تكون الحرية حقاً لنا، ولكنها يجب أن تكون حرية ملتزمة بناءة، فالحرية المطلقة وهم، والانقياد للخطيئة عبودية مدمرة.

4- عطية الخلاص :

وهى أعظم عطية حيث يتخلص الإنسان من خلالها من الخطيئة الجدية، التى ورثناها عن آدم، ومن فساد الطبيعة، الذى أصابنا منذ السقوط الأول.

وهذا الخلاص يرتكز على :

أ- الإيمان : بالمسيح الفادى، الذى تجسد لأجلنا وفدانا على الصليب، فاستطاع بناسوته أن يكون إنساناً، يموت نيابة عنا، ويرفع هذا الحكم عن كاهلنا، كما استطاع بلاهوته، أن يكون الفادى غير المحدود، الذى يرفع عنا عقاب خطيتنا غير المحدودة، والفادى القدوس الذى بلا خطية، حتى يستطيع فداء البشرية، والخالق القادر على تجديد الطبيعة الإنسانية، وعودة آدم إلى الصورة الإلهية التى خلق عليها، مرة أخرى.

ب- الأسرار المقدسة : التى فيها نتخلص من خطايانا بالمعمودية، حينما تتجدد أرواحنا، ونولد ميلاداً ثانياً من الماء والروح، وحينما ندشن هيكلاً للروح القدس من خلال الميرون، ونثبت فى المسيح بالأفخارستيا، ونجدد سيرتنا بالتوبة والإعتراف، وننال شفاء الروح، وربما شفاء الجسد أيضاً فى مسحة المرضى، وحينما نقتبل سر الزيجة يتحد العروسان معاً بمحبة روحانية، تسند جهادهما من أجل الخلاص. أما سر الكهنوت، فهو خادم هذه الأسرار جميعاً، فعمل الكاهن هو الصلاة والرعاية، والتعليم السليم.

ج- الأعمال الصالحة : كثمرة للإيمان الحىّ، العامل بالمحبة، بل كمكمل للإيمان القلبى من خلال الموقف العملى المعاش، كما حدث مع أبينا إبراهيم، إذ أكمل إيمانه القلبى بالعمل المحسوس، حينما قبل أن يقدم إبنه ذبيحة لله، واثقاً من قدرة الله على إقامته من بين الأموات، تماماً كما أخذه من جسدين فى حكم الموت، أى هو وسارة زوجته. الإيمان بدون أعمال ميت، وبالأعمال أكمل الإيمان. هنا إذ يتقدس الإنسان بالميرون: فكراً وحواساً وقلباً وإرادة وأعمالاً وطريقاً، يستطيع بنعمة الله أن يقدم ثماراً ترضى الرب، وتشهد لإيمانه الحىّ فى المسيح.

د- تجلى الجسد : حينما تتغير أجسادنا فى المجىء الثانى، إلى أجساد نورانية روحانية ممجدة سمائية، ونصعد بها إلى السحاب، ثم إلى الملكوت الأبدى، لنقضى الخلود السعيد مع رب المجد، فى محفل أبرار مكملين، وفى شركة عذبة مع الملائكة والقديسين، ونكون كل حين مع الرب.

5- عطية الخلود :

فإن كان ميثاق حقوق الإنسان يتحدث عن حقوق الإنسان على الأرض، فإن المسيحية أعطت للإنسان الحق فى ميراث الخلود، والحياة مع الله إلى الأبد، فى الملكوت السعيد. وذلك بالطبع إذا استخدم الإنسان حريته المتاحة له استخداماً حسناً، وعاش الإيمان بالمسيح والعمل الصالح، الجهاد ضد الخطيئة، وفى هذا يقول معلمنا يوحنا: “هذه هى الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى..” (يو 3:17). لذلك فالإنسان المؤمن بالرب، يهتم بأن يعيش حياته الأرضية بسلام، متمتعاً بكل حقوقه الأرضية، ولكنه مشغول – بالأكثر – بحياته الأبدية، فهى الأبقى والأمجد!! لأنه: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطى الإنسان فداءً عن نفسه؟!” (مر 37:8)

مشاركة المقال