قراءات آحاد كيهك

الرئيسية / قراءات آحاد كيهك

قراءات آحاد كيهك

رتبت الكنيسة بالهام الروح القدس ، قراءات آحاد شهر كيهك ، فجاءت بحكمة بارعة تشرح فى تسلسل مبدع قصة خلاص الإنسان .

الأحد الأول :

مزمور عشية : “إلى متى يارب تنسانى ؟! إلى الانقضاء ؟! حتى متى تصرف وجهك عنى ؟ أنظر واستجب لى أنر عينى” هذه هى صرخة البشرية ، وهى تنن متوقعة مجئ الفادى الشافى .. لقد أخذنا الوعد منذ أدم أن يأتى المسيح ليشفى طبيعتنا ، وها قد مرت آلاف السنون ولم يأت بعد .. فحتى متى يارب تنسانى ؟ أنظر واستجب لى ، أنر عينى لأننى فى ظلام الجهل والخطية ، التى أعمت عيناى . لقد بلغت البشرية قمة احتياجها للمسيح ، لذلك فهى تصرخ بأنين عميق تطلب سرعة مجيئه لينقذها .

إنجيل عشية : يتكلم عن المرأة التى جاءت إلى بيت سمعان الأبرص ، ومعها قارورة طيب نادرين خالص كثير الثمن ، وسكبته على رأس المسيح وهو متكئ .. ومن الضرورة أن نلاحظ أن هذه المرأة غير التى سكبت الطيب على رأس المسيح ، فى بيت سمعان الفريسى .. فنحن الآن أمام امرأة فاضلة (مدحها المسيح) تسكب الطيب على رأس المسيح ، فى بيت رجل نجس (الأبرص) . أما القصة الأخرى فهى امرأة خاطئة سكبت الطيب على قدمى المسيح ، فى بيت رجل بار فى عينى نفسه (فريسى) .

فالمرأة القديسة التى سكبت الطيب فى بيت النجس ، من هى إلا العذراء الطاهرة القديسة مريم ، التى تقابلت مع السيد فى بيت البشرية النجسة .. فسكبت على رأسه قارورة طيب حياتها وبتوليتها مثل “الطيب على الرأس النازل على اللحية ، لحية المسيح ، النازلة إلى طرف ثيابه” (مز 2:133) فامتلأ البيت .. كل البيت (الكنيسة) من رائحة طيب فضائلها وبتوليتها ..

كانت العذراء شمعة مضيئة وسط ظلام الكون الفسيح جاء إلى نورها ، النور الحقيقى الذى يضئ لكل إنسان آت إلى العالم .

فبينما كانت كل البشرية تصرخ : “حتى متى يارب تنسانى” .. كان هناك أمل صغير ، يتعلق بفتاة عذراء فقيرة يتيمة ، ولكنها اغتنت بالروح ، وامتلأت بالنعمة ، فصار الأمل الصغير خلاصاً عظيماً بهذا المقدار .

وفى باكر: (الأحد الأول) يجيب الله على سؤال المساء (حتى متى) فيقول المزمور “نظر الرب من السماء على الأرض ليسمع تنهد المغلولين (المربوطين) ليخبروا باسم الرب تسبحة الرب فى أورشليم” ، نحن نصرخ ليلاً (فى العشاء يحل البكاء) ، والرب يجبينا نهاراً (وفى الصباح السرور) . البشرية تصرخ فى ظلامها وفشلها وضلالها ، والرب يشرق علينا بنوره العجيب ، فيجعل ظلمة الضلالة التى فينا تضئ من قبل مجئ الابن الوحيد .. وصراخ البشرية الذى سمعناه فى العشية ، يصفه مزمور باكر بأنه تنهد (أنين) ليشرح الحالة التى وصلت إليها البشرية من عجز وانعدام قدرة فصار صراخها أنيناً .

وفى إنجيل باكر : يشرح لنا قصة الأرملة التى ألقت الفلسين .. هذه الأرملة هى رمز للبشرية ، التى كانت فى اتحاد زيجة مع الله ، ثم فقدت الله كصديق وعريس للنفس ، وصارت مترملة لا تستطيع أن تنجب فضيلة ، أو ثمرة للروح ، أو خلاصاً . أما الفسلان فهما رمز للحب .. ربى يسوع فيما أنا عاجز بسبب خطيتى التى فصلتنى عنك وصيرتنى أرملة .. لكن أنظر إلى فلسىْ الحب التى أملكهما ولا أملك سواهما .. فأنا أحبك ، بالحق أحبك ، وسقطاتى هى ضعف وليست عنداً .. أنا ساقط لأننى ضعيف ، ولكننى لا يمكن إلا أن أحبك .. أنظر إلى تقدمة حبى الهزيلة ، واستحسنها كما فعلت مع الأرملة المسكينة .

وفى مزمور إنجيل القداس: يقول “أنت يارب ترجع وتترأف على صهيون .. لأنه وقت التحنن عليها .. لأنه جاء الوقت” .. حقاً لقد جاء الوقت الذى طالما انتظرته البشرية ، جاء وقت التحنن ، وها نحن نرى البوادر “فى الأيام التى فيها نظر إلىّ ، لينزع عارى بين الناس” (لو 25:1) ها إن البشرية العاقر قد حبلت بالابن الوحيد .. اليصابات هى النطق اليونانى للكلمة العبرية “اليشبع” ، أى “أقسم الله” فاسمها يذكرنا بوعود الله وأقسامه لإبراهيم واسحق ويعقوب وداود والأباء ، خاصة أن زكريا يعنى “يهوه قد ذكر” ، فالله ذكر أقسامه لذلك أعطانا يوحنا “يهوه حنون” أعطانا حنانه وشفقته ورأفاته ، وأرسل ذلك بيد جبرائيل (أى جبروت الله) ، فقد أرسل رحمته بيد عزيزة وذراع رفيعة ، وجبروت ينقذنا من فم الأسد المفترس (إبليس الحية القديمة) .

الأحد الثانى :

يبدو أن الكنيسة قد تعشمت خيراً بسبب وعود إنجيل الأحد الأول . والإجابة السريعة على سؤالها .. ولكن ها قد مر أسبوع ، ولم يولد المسيح .. لذلك ففى عشية الأحد الثانى نجدها تلح فى طلبها الأول : “يارب طاطئ السموات وأنزل ، ألمس الجبال فتدخن .. أرسل يدك من العلو ، أنقذنى ونجنى”.

يارب انزل لأننى عاجز عن أن أصعد إليك . أنت يمكنك أن تأتى إلىّ ، أما أنا فلا أستطيع أن أقترب إليك .. أنزل إلينا حتى ولو دخنت الجبال .. انزل لنرى ما رآه بنو إسرائيل قديماً “وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق وصوت البوق ، والجبل يدخن ، ولما رأى الشعب ، ارتعدوا ووقفوا من بعيد ، وقالوا لموسى : تكلم أنت عنا فنسمع ، ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت” (خر 20: 18-19) .

أرسل يدك من العلو .. إن المسيح هو يد الله “الذى به أيضاً عمل العالمين” (عب 2:1) . وبه يحمل كل شئ “حامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عب 3:1) يا الله أرسل يدك من العلو انقذنى ونجنى .

إنجيل عشية : يتحدث عن المرأة الخاطئة التى دخلت بين الفريسى لتقدم توبة نقية .. من هى المرأة الخاطئة إلا البشرية الساقطة ، وقد تقدمت لتتقابل مع فاديها فى بيت اليهود ومكانهم . إذ قبل الخاطئة فى بيت الفريسى المتشدد …

وفى مزموره باكر : جاءت الإجابة على ندائنا فى عشية .. وجاءت أكثر مما نسأل أو نفهم .. أنت طلبت أن يلمس الجبال فتدخن .. ولكنه “ينزل مثل الطل على الجزة وكقطرات تقطر على الأرض كلها” .

نعم سينزل هذه المرة ، ولكن ليس كنار حارقة ، وإنما كندى بارد يروى الأرض ، ويشفى ظمأها ، ويطفئ لهيب فسادها .. سينزل كالطل على الجزة .. إنها جزة جدعون .. “وقال جدعون لله ، إن كنت تخلص بيدى إسرائيل كما تكلمت فها أنى واضع جزة الصوف فى البيدر فإن كان طل على الجزة وحدها وجفاف على الأرض كلها علمت أنك تخلص بيدى إسرائيل كما تكلمت وكان كذلك فبكر فى الغد وضغط الجزة وعصر طلاً من الجزة ملء قصعة ماء . فقال جدعون لله لا يحم غضبك علىّ فأتكلم هذه المرة فقط. أمتحن هذه المرة فقط. بالجزة . فليكن جفاف فى الجزة وحدها وعلى كل الأرض ليكن طل . ففعل الله كذلك فى تلك الليلة . فكان جفاف فى الجزة وحدها وعلى الأرض كلها كان طل” (قض 6: 36-40) إن الجزة (صوف الخرفان) هى رمز لليهودية (المرتبطة بالذبائح) . والأرض كلها رمز للأمم .. والطل هو رمز لنعمة الله التى نزلت أولاً بفيض على الجزة وحدها ، ثم جفت الجزة (فقد اليهود نعمة الله) لكى تبتل الأرض كلها بندى نعمة المسيح ، لذلك يقول المزمور “ينزل مثل الطل على الجزة ، وكقطرات تقطر على الأرض كلها، يشرق فى أيامه العدل وكثرة السلام” .
وإنجيل باكر : يرد أيضاً على مزمور عشية .. أنت طلبت يد الله ، ها أنا “بإصبع الله أخرج الشياطين” لقد جاء المسيح لكى يطرد الشيطان ، ويطرحه خارجاً ، وينقى معدن البشرية ليسكن فيها الروح القدس .. “طوبى للبطن الذى حملك والثديين اللتين رضعتهما .. طوبى للذين يسمعون كلام ويحفظونه” .

والعذراء القديسة مريم قد نالت التطويبتين ، فقد حملت ورضّعت ، وسمعت وحفظت ، لذلك فقد وقع عليها اختيار العريس ليخطبها لنفسه عروساً إلى الأبد ، فيهتف مزمور القداس “اسمعى يا ابنتى وأنظرى وأميلى سمعك وأنسى شعبك وبيت أبيك” لقد أقترن المسيح بالبشرية ممثلة فى العذراء مريم .. الملك والعريس السمائى اختار طهرك يا أم النور لتصيرى خدرا نقياً يتحد فيه بالبشرية .. نعطيك السلام مع غبريال الملاك قائلين السلام لك يا ممتلئة نعمة الرب معك .

ها قد تحقق الخبر والأمل .. والرب العالى صار فى وسطنا الآن ، وقد حمل إلينا البشارة غبريال العظيم فى الملائكة .. “لا تخافى يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله” هذه الفتاة الحكيمة العفيفة النقية صارت سبب خلاص لكل البشرية ، إذ قد وجدت نعمة فى عينى الله .. لذلك فقد صارت أما لابن الله .. القدوس المولود منك يدعى ابن الله .. ليس شئ غير ممكن لدى الله ..

يا لفرحة البشرية … لقد صرنا فى قرابة جسدية مع الله .. فبنت آدم صارت أم الله .. وابن الله صار ابناً للإنسان .. وبه نصير كلنا أبناء الله “هو أخذ الذى لنا ، وأعطانا الذى له، نسبحه ونمجده ، ونزيده علواً” .

الأحد الثالث :

لذلك تهتف الكنيسة فى مزمور عشية الأحد الثالث “لأن الرب اختار صهيون ورضيها مسكناً له .. ههنا أسكن لأنى أردته”.

من هى صهيون إلا العذراء مريم ابنة داود وابنة إبراهيم .. العذراء مريم صارت مسكناً لله الكلمة .. وبها صار الله ساكناً وسط شعبه .. اتخذ له خيمة بين الخيام، ولم تكن الخيمة (المظلة) إلا مريم ابنة يواقيم (قوة العلى تظلك) .. “لصيدها أبارك تبريكاً” .

لم يكن الصيد في هذه المرة صيداً عادياً .. بل لقد اصطادت البشرية كنزاً خلاصياً غير موصوف ، ولا يمكن التعبير عنه .. إن صيد البشرية اليوم هو ابن الله الكلمة بالحقيقة الذى اقتنيناه لنا وصار فينا ، أما الشطان فصار فى رعبة وخوف عظيم “ما لنا ولك … أتيت لتهلكنا … أعرفك من أنت .. قدوس الله” هكذا يعترف الشيطان برعب فى إنجيل العشية .. جاء المسيح ليهلك الشيطان ، ويخلص الإنسان ، حقاً أنه وضُع لسقوط وقيام كثيرين .. وضع لسقوط الشيطان وأعوانه ، ولقيام الإنسان وحياته .

أننا سمعنا بخبر الحبل المقدس ، ولكننا نريد أن نرى الحمل الإلهى الذى يذبح عن خطايانا .. نريد أن نرى يسوع الذى هو سلامنا …

وكأن أيضاً هذا المزمور تصرخ به الكنعانية (الأممية) فى إنجيل باكر … “أرنا يارب رحمتك ، وأعطنا خلاصك” … أننى آت إليك من أرض بعيدة .. لم تكن لى معك شركة من قبل ، ولا معرفة ولا علاقة ولكننى أسمع عنك .. تتكلم بالسلام لشعبك، ولقديسيك ، والذين يعرفونك .. فهل لى أيضاً من نصيب ، ولو الفتات الساقط من مائدة الأرباب … “أرحمنى با ابن داود ابنتى متعذبة ومجنونة” … لماذا تأتى لليهود فقط ، ألست أنا الأمامى أيضاً من خليقتك ، وموضوع اهتمامك .. ألم اسمع عنك أنك أتيت من أجل الخطاة والمرضى ، ألم تكن تجالس العشارين والزناة والخطاة .. فأقبلنى إليك لأننى أسمع ما تتكلم به بالسلام لشعبك وألتفت يسوع وشفى ابنتها .. من هى الابنة إلا البشرية المعذبة بسبب فساد الطبيعة ، التى جاء رب المجد ليشفيها من فسادها ودمارها .. لذلك عبر الإنجيل عن معجزات الشفاء التى كان يقصد بها شفاء الطبيعة البشرية “نالوا الشفاء ومجدوا الله” متذكراً نبوة أشعياء المسيائية “سلام سلام للبعيد وللقريب قال الرب ، وسأشفيه” (أش 19:57) ” فجأة إليه جموع كثيرة معهم عرج وخرس وشل ، وآخرون كثيرون وطرحوهم عند قدمى يسوع فشفاهم”، “حينئذ تتققح عيون العمى ، وآذان الصم تتفتح ، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ، ويترنم لسان الأخرس” (أش 35: 4-6) .

وفى إنجيل قداس الأحد الثالث نجد مريم تعانق اليصابات وفى حقيقة الأمر ، لقد كان هناك اثنان آخران يتلاقيان ويتعانقان ، وهما المسيح ابن الله الكلمة ، ويوحنا المعمدان السابق العظيم … لذلك تهتف الكنيسة فى المزمور “الرحمة والحق التقيا .. البر والسلام تلاثما””.. إن الرحمة هى المسيح الذى جاء بالرحمة للإنسان .. الذى قال للخاطئة : “ولا أنا أدينك” . وتقصد الكنيسة بالحق يوحنا الذى شهد للحق ” لا يحل لك” لقد كان دور يوحنا أن يكشف المرض فقط ، أما يسوع فجاء ليشفى لأنه يستطيع .. يوحنا كان ممثلاً للناموس الذى يدين الإنسان إنه الحق والبر ، وإما يسوع المحبوب فهو النعمة والرحمة والسلام .. حقاً فى المسيح البر وكل البر ، الحق وكل الحق .. ولكنه لم يأت ليدين العالم ، بل ليخلص العالم .. جاء ليعطينا بره وليثبت فينا حقه .. وذلك بالرحمة ، ففيه تجتمع الرحمة مع الحق والبر مع السلام .. ولكن المزمور يتكلم ببراعة عن الحق الذى اشرق من الأرض (يوحنا) والبر الذى تطلع من السماء (بر المسيح) لذلك فلنرتكض بابتهاج مع الجنين لأن خلاصنا صار قريباً منا جداً …

ولإلهنا المجد الدائم أمين

بقلم  #الأنبا_رافائيل

مشاركة المقال