مكانة الكتاب المقدس فى الكنيسة الأرثوذكسية – نيافة الأنبا رفائيل

الرئيسية / مكانة الكتاب المقدس فى الكنيسة الأرثوذكسية – نيافة الأنبا رفائيل

الكنيسة القبطية هي كنيسة كتابية من الدرجة الأولى، والكتاب المقدس يتغلغل تغلغلاً عميقًا فيها.. في طقسها وعقيدتها وممارستها اليومية، وهذا من أبرز عوامل قوة الكنيسة، وينبغي ألا يكون هناك ثنائية بين العقيدة والكتاب، أو ثنائية بين الكتاب والكنيسـة،أو بيــن الكتــاب والطقس..وإنما في حقيقة الأمر أنهم كلهم سيمفونية واحدة مثل النسيج المُتداخل.

أولاً: كتاب القطمارس :

كلمة “قطمـارس” كلمـة يونانيـة مـن مقطعيـن.. “قطـا” أي “حسـب”، “ميـروس” أي “اليوم”. وفي هذا الكتاب تتـرتب القراءات من الكتاب المقدس حسب اليوم، فكل يوم في السنة له قراءات خاصة به تُقرأ أثناء القداس وتتكون من:

– مساءً في رفع بخور عشية: يُقرأ مزمور وفصل من الإنجيل.

– وصباحًا في رفع بخور باكر: يُقرأ مزمور وفصل من الإنجيل.

– وفي القداس يُقرأ:

* البولس : فصل من رسائل بولس الرسول.

* الكاثوليكون : فصل من رسائل الجامعة.

* الإبركسسيس : فصل من أعمال الرسل.

* مزمور وفصل من الإنجيل.

أي أن كل قداس نُصليه نقرأ فيه تسعة قراءات من الكتاب المقدس، وكلهم يربطهم خط فكرى واحد.. يضاف إليهم في الصيام الكبير نبوات تُقرأ من العهد القديم أيضًا، وتسير مع نفس الهدف العام لقراءة كل يوم.

وفي البصخة التي هي أسبوع الآلام تتلخص كل العبادة الكنسية في مجموعة من قراءات من الكتاب المقدس، يتخللها بعض الألحان.. أي الغالب عليها هو الكتاب المقدس، لدرجة أننا نقرأ سفر المزامير بأكمله يوم الجمعة العظيمة، وسفر الرؤيا كله ليلة السبت الكبير،

ولذلك تسمي (ليلة أبو غالمسيس)، وهي كلمة محرفة عن كلمة (أبو كاليبسيس أي الرؤيا). ونقرأ الأناجيل الأربعة على مدى أيام الثلاثاء والأربعاء وخميس البصخة وليلة العيد، وبعض الكنائس تقرأ سفر أيوب بكامله يوم أربعاء البصخة، كما أننا نقرأ سفر طوبيا بأكمله في الجمعة السابقة لجمعة ختام الصوم.

كيف تترتب هذه القراءات ؟

يوجد نوعان من الخطة في ترتيب القراءات:

1- في الآحاد بطول السنة تُبرز القراءات عمل الثالوث القدوس في الكنيسة.

2- في الأيام العادية على مدار السنة غير الصيامات والأعياد والآحاد.. ترتبط القراءات بقديس اليوم. فمثلاً عندما نحتفل بعيد القديس مارمينا نجد القراءات كلها مرتبطة بسيرته، أو عيد القديس مارمرقس، أو عيد الأنبا أنطونيوس، أو عيد ملاك من الملائكة، أو عيد السيدة العذراء مريم.. فتكون القراءات مرتبطة بالقديس أو بالملاك أو بالشهيد.

والكنيسة بهذا تحقق هدفين:

الهدف الأول : إن هذا القديس كان يعيش حياة إنجيلية، بدليل أننا وجدنا مفردات حياته في الإنجيل، بالرغم من أن الإنجيل قد كُتب قبل ما يولد هذا القديس بمئات أو بآلاف السنين، كأننا نقرأ سيرة لقديس من الكتاب المقدس.

والهدف الثاني : هو إعلان حقيقة أن طريقتنا لفهم النـص يجـب أن تكون بطريقـة معاشـة، وليـس بطريقة نظرية أو بفلسفة فكرية..مثلما تقرأ سيـرة داود النبـي وسيرة إبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف. فتجد أيضًا أن الروح القدس مازال يعمل في حيـاة القديسين غيرالموجودة سيرتهم في الكتاب المقدس.

في الصيام الكبير تتجه القراءات كلها أيضًا في اتجاهين متكاملين:الاتجاه الأول هو إعداد الموعوظين للمعمودية (الموعوظـون هـم الذيـن آمنوا بالمسيح ولكن لم يعتمـدوا بعـد) وبعد المعمودية يُسموا (مؤمنين)، فكان موسم إعدادهم للمعمودية هـو الصـوم الكبير. وكانوا يعتبرون أن أنسب ميعاد لمعمودية الكبار هو ليلة عيـد القيامـة باعتبار أنه موت وقيامة مع المسيح. فكانوا في الصيام الكبير يعدونهم الإعداد النهائي للمعمودية.

فالقراءات كلها تشرح فِعـل المعموديـة أو مـاذا سيحـدث للإنسان في المعمودية، فتشرح القراءات الفرق ما بين الظلمة والنور، وما بين ضلالة الأوثان ومعرفة الحق، وما بين سلوك غير المؤمنين وحياة المسيحيين.

وفى نفس الوقت نفس القراءات تتفسر بمعنى التوبة بالنسبة للمؤمنين، أي تجديد عهد المعمودية في فترة الصوم الكبير من خلال التوبة.

في البصخة (البصخة هي pass over)، وهى (العبور أو الفصح).. والقراءات كلها تشرح آلام السيد المسيح والعمل الفدائي لدم المسيح، بحيث أعيش مع المسيح لحظة بلحظة في الأسبوع الأخير.والأسبوع الأخير يحتل جزءًا كبيرًا جدًّا في الأناجيل، فمثلاً إنجيل يوحنا (21 اصحاح) يبدأ الأسبوع الأخير من الأصحاح 12 (أي أن 11 أصحاح) تشرح ثلاث سنين من حياة السيد المسيح و10 إصحاحات تتكلم عن الأسبوع الأخير.

الخماسين وهي فترة الخمسين يوم بعد القيامة، تركز فيها القراءات على لاهوت المسيح، لأننا عرفنا أن المسيح هو الله بالقيامة، مثلما قال معلمنا بولس فى مطلع رسالته إلى رومية: “وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات” (رو 4:1). كما تشرح لنا القراءات كيف ننال الحياة التي في المسيح، وذلك بالإيمان به، وبالمعمودية، والتناول من جسده ودمه الكريمين، وبمعرفة الله معرفة حقيقية اختبارية.

ثانيًا: الأجبية :

كلمة (أجب) بالقبطي معناها (ساعة زمنية) وأجبية معناها “الكتاب المترتب حسب الساعات”. والأجبية كتاب صلوات، وكل صلوة عبارة عن 12 مزمور، ثم قطعة من الإنجيل، ثم ثلاث أو ست قطع تأملية.. فهو إذًا عبارة عن كم كبير جداً من نصوص الكتاب المقدس

والإنسان المسيحي مُطالب أن يصليها كل يوم، وهذا طبعًا توجيه جميل من الكنيسة يعرفنا أن الكتاب المقدس ليس هو كتاب قراءة ولا كتاب معلومات ولكنه كتاب صلاة.

قد يعاني البعض عندما يقرأ هذه النصوص أنه لا يشعر بالصلاة، والعلاج ليس أن نلغي هذه النصوص وإنما العلاج أن نتعلم كيف نصلى من خلال النص، ونحس أنها كلماتنا وليست كلمات داود، ويكون المزمور نابعًا من القلب وليس من الفم، ونحس بكل كلمه فيه وليس مجرد تلاوة نرددها.

فهنا يتعلَّم الإنسان كيف يصلى بكلمة الله، وطبعاً معروف أن أقوى صلاة تصل إلى الله هي أن نكلمه بكلامه، فنحن نؤمن أن الكتاب المقدس هو وحي الروح القدس، ولا أحد يعرف الله غير روح الله “هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله” (1كو 11:2)، فكلمات الروح القدس في المزامير والكتاب المقدس هي أعظم ما نتكلم به مع الله، بالإضافة إلى أن “الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها” (رو 26:8).

ثالثًا: الإبصلمودية المقدسة :

كلمة إبصلمودية مأخوذة من “إبصالموس” أي المزمور، والإبصلمودية عبارة عن كتاب التسابيح الذي يستخدم في الكنيسة كل يوم، وفيها أربع هوسات (وكلمة “هوس” معناها “تسبيح”)، والأربع تسبيحات هم:

1- الهوس الأول : هو (أصحاح 15) في سفر الخروج، تسبحة موسى النبي.

2- الهوس الثاني : هو (مزمور 136) وله المرد: “لأن إلى الأبد رحمته”.

3- الهوس الثالث : جزء من سفر دانيال النبي، وهو التسبحة التي قالها الثلاثة فتية داخل أتون النار.

4- الهوس الرابع : وهو (المزامير 148، 149،150).

والهوسات هي نصوص كاملة بدون تصرف وضع لها أنغام مناسبة.. فنحن نصلى
بالكتاب المقدس.

رابعًا: الخولاجي المقدس :

الخولاجي هو كتـاب القـداس الإلهي، وهو أيضًا عبارة عـن نصوص كتابية، فآبائنا الأقبـاط علّمونا أن الإنسان عندما يريد أن يصلى صلاة ارتجالية يجب أن يكون شبعانًا أولاً بالكتـاب المقدس، لكـي تكـون كلمـات الصلاة كتابية كقـول الكتـاب: “لتَسكُـنْ فيكُـم كلِمَـةُ المَسيـحِ بغِنًى” (كو 16:3)، فعندما تسكـن فـيَّ سأستطيـع أن أصلـى وأسبِّـح بكلمات حسب قصد الله وليس بحسـب استحسان الإنسان.

الجزء التأسيسي في صلوات الليتورجيا :

بالإضافة إلى النصوص المستوحـاه من روح الكتاب المقدس.. يوجد جـزء لابد أن يوجد في كل صلاة ليتورجيـة،عبارة عن نص كامل مـن الكتـاب المقدس، يشرح لي لمـاذا نصلـي هذا السر أو هذا الطقس. مثلاً في القداس.. نأخذ النص الذي يقول: “أخذ خبزاً على يديه الطاهرتيـن اللتيـن بلا عيبٍ ولا دنس الطوباويتين المحييتين ونظر إلى السماء وبارك وشكر وقسم وأعطى تلاميذه وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي”.. هذا الجزء هو الذي نسميه الجزء التأسيسي، كأن الأب الكاهن يجيب عن تساؤل: لماذا أنت تفعل هذا، ولماذا تمسك في يدك خبزة، ولماذا تنظر إلى السماء؟ فيقول: لأن السيد المسيح عمل هكذا.

فنسمي هذا الجزء بالجزء التأسيسي، أي الذي بواسطته أسس السيد المسيح هذا السر أو هذه الممارسة الطقسية.

في سر مسحة المرضى نُصلي في متن الصلاة الآية التي جاءت في رسالة معلمنا يعقوب (14:5-16) “أمَريضٌ أحَدٌ بَينَكُمْ؟ فليَدعُ شُيوخَ الكَنيسَةِ فيُصَلّوا علَيهِ ويَدهَنوهُ بزَيتٍ باسمِ الرَّب، وصَلاةُ الإيمانِ تشفي المَريضَ، والرَّبُّ يُقيمُهُ، وإنْ كانَ قد فعَلَ خَطيَّةً تُغفَرُ لهُ. اِعتَرِفوا بَعضُكُمْ لبَعضٍ بالزَلاَّتِ، وصَلّوا بَعضُكُمْ لأجلِ بَعضٍ، لكَيْ تُشفَوْا. طَلِبَةُ البار تقتَدِرُ كثيرًا في فِعلِها”.. وهذه الآية نعلن بها أن ما نفعله هنا هو مستمد من الكتاب المقدس.

وفي وسط الصلوات يقول الكاهن: “أنت الذي أمرت تلاميذك أن يدهنوا الناس بالزيت”، لأن هكذا جاء في الأناجيل أن الرسل عندما أرسلهم المسيح “دهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم” (مر 13:6).

وهكذا أيضًا في سر الإكليل (الزواج) نقول: “يا من حضر في عرس قانا الجليل وبارك ذلك الزواج بارك أيضًا هذا الزواج”.

العقيدة الأرثوذكسية والكتاب المقدس :

يُشترط في عقيدة الكنيسة أن تكون كلها كتابية، فلا يوجد عقيدة في الكنيسة إلا ولها أصل كتابي.. وإن كانت التفاصيل والشروحات ليست كلها موجودة في الكتاب المقدس.

وهذا يجعلنا نتساءل من أين جاءت التفاصيل؟ هذا ما نسميه التراث والتقليد والتسليم الآبائي. والتقليد هو: “طريقة فهم الآيات” و “طريقة فهم العقيدة”. فالمسيحية لم تبدأ بنا ولن تنتهي إلينا، مثلما قال معلمنا بولس الرسول إلى أهل كورنثوس: “أم مِنكُمْ خرجَتْ كلِمَةُ اللهِ؟ أم إلَيكُمْ وحدَكُمُ انتَهَتْ؟” (1كو 36:14)، فقبل أن تفسر لابد أن تسمع الذين قبلنا.. كيف فهموا الآيات، وإلا سنجد أنفسنا نعلم بتعاليم غريبة عن المسيحية حسبما يفهم كل إنسان برغبته.

والمثل الصارخ في هذا هو “الأريوسية”. كل العالم المسيحي يرفض الأريوسية، لأنها تعلِّم بأن المسيح غير مساوي للآب وأنه مجرد نبي، وأنه مخلوق وأنه أول الخلق خلق الآب ليخلق به العالم فيكون بذلك إله خالق ولكنه مخلوق، وهذا يدخلنا في متاهة تعدّد الآلهة.

مشكلة أريوس أنه كان يستند إلى نصوص من الكتاب المقدس مثل “أبي أعظم مني” (يو 28:14)، “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب” (مر 32:13). لذلك قيل: “كاد العالم أن يكون أريوسيًا”.

إذًا ما هو الفرق بينه وبين أثناسيوس الذي دافع عن الإيمان بالمسيح وعن ألوهية السيد المسيح؟

إن أثناسيوس استند إلى ما ورثه من الآباء. فالآباء لم يفسروا هكذا. نحن نعرف من آبائنا أن المسيح مساو للآب في الجوهر، وإذا وجدت آية غير مفهومة نستفسر عنها، ولكن لا نخترع تفسيرًا جديدًا وعقيدة جديدة ومسيحية جديدة.

لم يخترع القديس أثناسيوس أن “المسيح هو الله”، لكنه شرح ما استلمه من الآباء.. بينما استند أريوس إلى نصوص كان يفسرها بنفسه،

وهنا تكمن الخطورة أن شخصًا يفسر الكتاب المقدس حسب أهوائه أو حسب ما يستنتج أو
ما يستنبط ويعزل نفسه عن فكر الآباء.

الترجمة القبطية للكتاب المقدس :

بشهادة كثيرين من العلماء قالوا إن الترجمة القبطية للكتاب المقدس من أجمل وأدق الترجمات، وقد قامت بها الكنيسة القبطية في القرن الثاني الميلادي من خلال مدرسة الإسكندرية بقيادة قديس اسمه “بنتينوس”، وقد ترجم الكتاب المقدس إلى اللغـة القبطية عن الترجمـة السبعينيـة.

وتعتبر هذه الترجمـة مـن أدق الترجمات، لأن الظروف التـي تمت فيها هـذه الترجمـة لـم تحدث في أي مكان في العالم، بسبب أن الأقباط كانوا يتقنـون اللغة القبطيـة، لأن هـذه هـي mother language لهـــم، وكانـوا أيضًـا يتقنـون اللغـة اليونانية كأنهاmother language بسبب أن الإسكندرية كانت مشهـورة بالثقافة اليونانية المنتشرة فيها، وكانت هناك مدرسة وثنية تضاهـى مدرسـة أثينا، وكان يوجد علماء وفلاسفـة فـي الإسكندرية.

الخلاصة.. إن كنيستنا القبطية كنيسة كتابية من الدرجة الأولى، ومطلوب منا كشباب وخدام أن نكون مثل كنيستنا ملتصقين وشباعى بالكتاب المقدس.

مشاركة المقال