مقالات

الرئيسية / قسم "مقالات" ()

أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ

#٤٠_عامًا_من_عمل_الله_في_اسقفية_الشباب
#نيافة_الأنبا_موسى_أسقف_الشباب
#اسقفية_الشباب٤٠_سنة
#الرسامة_٢٥مايو_١٩٨٠
#٤٠عاما_للاحتفال
#نيافة_الأنبا_موسى_الأبيض
#بنحبك_ياأنبا_موسى
#الأنبا_موسى_أسقف_الأجيال

الصوم والشباب

اذا كان الصوم احتياجًا ماسًّا لكل الأعمار، إلا أنه بالنسبة للشباب احتياج في غاية الأهمية، وذلك لأسباب منطقية:

1- الصوم وحاجة الشباب إلى تقوية الإرادة:

 فالشباب مرحلة القرارات الهامة والمصيرية، مثل قرار: الدراسة – اختيار العمل – اكتشاف شريك الحياة – تغيير المسار في مجالات كثيرة … ألخ. ولذلك يحتاج الشباب إلى تقوية إرادته ليتخذ القرار الصائب في الوقت السليم! والصوم تدريب ممتاز “لتقوية الإرادة”!

 آكل هذا الطعام ولا آكل ذلك، مع أنه شهي! آكل الآن، أم أن هناك فترة انقطاع! أصوم كل الأصوام أم بعضها! أصوم المدة كلها، أم بعضها!
 والقرار هنا، بدوافع روحية وكنسية وصحية ومنطقية… قرار هام! والصوم فرصة ممتازة لتقوية الإرادة، ودعم الحياة الروحية والكنسية.

2-الصوم و حاجة الشباب إلى حياة الطهارة:

 ومعروف عمليًا أن الأطعمة البروتينية نوعان: اللحوم: وهذه تعطي طاقة غضبية وشهوية أكثر، كما أثبتت بعض الدراسات العلمية الحديثة! والأسماك: وتعطي طاقة غضبية وشهوية أقل! كلاهما بنّاء للأنسجة.. وكنيستنا المسترشدة بالروح القدس رتّبت الأصوام على درجتين: واحدة تسمح بالأسماك: كصوم الميلاد والرسل والعذراء، وأخرى تخلو منها: كالصوم الكبير، والأربعاء والجمعة والبرامون.. وهذه حكمة من الكنيسة لحاجة الإنسان إلى البروتين، فاختارت له الأسماك في أصوام كثيرة. لذلك فالأصوام تساعد في حياة الطهارة، لأنها تتضمن مع نوع الأكل، وفترة الانقطاع، الانتظام في القداسات والصلوات والتناول، وهذه أسلحة عامة وهامة لحياة الطهارة! فالنفس الشبعانة (بالمسيح والروحيات) تدوس العسل (عسل الخطية المسموم): «النَّفسُ الشَّبعانَةُ تدوسُ العَسَلَ» (أمثال27: 7).

3- الصوم وحاجة الشباب إلى الحياة الكنسية:

 وهذا أمر هام جدًا، إذ يحتاج الإنسان عمومًا، والشباب بصفة خاصة، إلى إشباع بعض الاحتياجات النفسية مثل: الحاجة إلى الأمن، والحب، والانتماء، والنجاح، والخصوصية، والمرجعية… وهذا يأتي من التواجد في عضوية الجماعة المقدسة، والحياة الكنيسة.. بما فيها من تعليم وأنشطة وممارسات وأسرار مقدسة.. وهذا سند هام للإنسان، إذ يحس إنه:
 ‌أ-عضو في الكنيسة، والجسد المقدس، والجماعة المرتبطة بالرب. فهو واحد من المؤمنين المجاهدين على الأرض، تطلُّعًا إلى السماء.

 ‌ب- له عشرة وشركة واقتداء وتشفّع بالقديسين في الفردوس… فهم سحابة شهود محيطة بنا ترقب جهادنا، وتصلى لأجلنا «لذلكَ نَحنُ أيضًا إذ لنا سحابَةٌ مِنَ الشُّهودِ مِقدارُ هذِهِ مُحيطَةٌ بنا» (عبرانيين12: 1).

 ‌ج- المسيح هو رأس هذا الجسد، والشاب كعضو في الكنيسة، هو متصل به، يشبع ويخلص ويحيا به إلى الأبد. والأصوام الجماعية هامة لهذا الهدف، نصوم معًا صوم: الميلاد ويونان، والكبير، والرسل، والعذراء.. فنحس بوحدة جسد الكنيسة، ونحيا تذكارات هذه المناسبات.. إذ يذخر كل صوم منها بالمعاني والقراءات والقدوة والتسابيح والقداسات.

 وبممارسة هذه الحياة الكنسية: الإرادة … تتقوى!  والطهارة… تزداد!  وعضوية الجسد المقدس… تتدعم!
 لهذا نصوم… وبهذا ننتصر على أعدائنا: الجسد، وعثرات العالم، والشيطان؛ فنهتف جميعنا: «يَعظُمُ انتِصارُنا بالّذي أحَبَّنا»

تدريبات في الصوم الكبير

قداسة البابا شنوده الثالث

لكي يكون هذا الصوم المقدس ذا أثر فعال فى حياتك الروحية، نضع أمامك بعض التداريب لممارستها، حتى إذا ما حولتها إلى حياة، تكون قد انتفعت فى صومك:

1- تدريب لترك خطية معينة من الخطايا التى تسيطر عليك:

، والتى تتكرر فى كثير من اعترافاتك. أو التركيز على نقطة الضعف أو الخطية المحبوبة.. وكل إنسان يعرف تماماً ما هى الخطية التى يضعف أمامها، ويتكرر سقوطه فيها، وتتكرر فى غالبية اعترافاته. فليتخذ هذه الخطايا مجالاً للتدرب على تركها أثناء الصوم. وهكذا يكون صوماً مقدساً حقاً.

2- وقد يتدرب الصائم على ترك عادة ما :
 مثل مدمن التدخين الذى يتدرب فى الصوم على ترك التدخين، أو المدمن مشروباً معيناً، أصبح عادة مسيطرة لا يستطيع تركها، كمن يدمن شرب الشاى والقهوة مثلاً. أو الذى يصبح التفرج على التليفزيون عادة عنده تضيع وقته وتؤثر على قيامه بمسئولياته. كل ذلك وأمثاله تكون فترة الصوم تدريباً على تركه.
اسكب نفسك أمام الله، وقل له: نجنى يارب من هذه الخطية. أنا معترف بأننى ضعيف فى هذه النقطة بالذات، ولن أنتصر عليها بدون معونة منك أنت، لتكن فترة الصوم هذه هى صراع لك مع الله، لتنال منه قوة تنتصر بها على خطاياك. درب نفسك خلال الصوم على هذا الصراع.

فمثلاً يذكر نفسه كلما وقع فى خطية النرفزة بقول الكتاب : “لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله” (يع 2:1). ويكرر هذه الآية بكثرة كل يوم، وبخاصة فى المواقف التى يحاربه الغضب فيها. ويبكت نفسه قائلاً: ماذا أستفيد من صومى، إن كنت فيه أغضب ولا أصنع بر الله؟!

3- التدريب على حفظ بعض المزامير من صلوات الأجبية:

 ويمكن إختيار مزمور أو إثنين من كل صلاة من الصلوات السبع، وبخاصة من المزامير التى تترك فى نفسك أثراً.


4  – التدريب على حفظ أناجيل الساعات، وقطعها، وتحاليلها. علماً بأنه لكل صلاة 3 أو 6 قطع.

5- التدريب على الصلاة السرية بكل ما تحفظه، سواء الصلاة أثناء العمل، أو فى الطريق، أو اثناء الوجود مع الناس، أو فى أى وقت.

6- اتخاذ هذه الصلوات والمزامير والأناجيل مجالاً للتأمل حتى يمكنك أن تصليها بفهم وعمق.

7- تداريب القراءات الروحية:

سواء قراءة الكتاب المقدس بطريقة منتظمة، بكميات أوفر، وبفهم وتأمل.. أو قراءة سير القديسين، أو بعض الكتب الروحية، بحيث تخرج من الصوم بحصيلة نافعة من القراءة العميقة.

7- يمكن فى فترة الصوم الكبير، أن تدرب نفسك على استلام الألحان الخاصة بالصوم أو بأسبوع الآلام، مع حفظها، وتكرارها، والتشبع بروحها…
 
8- يمكن أن تدرب نفسك على درجة معينة من الصوم، على أن يكون ذلك تحت إشراف أبيك الروحى.

9- هناك تدريبات روحية كثيرة فى مجالات المعاملات: مثل اللطف، وطول الأناة، واحتمال ضعفات الآخرين، وعدم الغضب، واستخدام كلمات المديح والتشجيع، وخدمة الآخرين ومساعدتهم، والطيبة والوداعة فى معاملة الناس.

10- تدريبات أخرى فى (نقاوة القلب): مثل التواضع، والسلام الداخلى، ومحبة الله، والرضى وعدم التذمر، والهدوء وعدم القلق، والفرح الداخلى بالروح، والإيمان، والرجاء.

#الصوم_الكبير

#البابا_شنودة

#الصوم

 

مثل السامرى الصالح

روى السيد المسيح حادثة وقعت على الطريق العام، عندما سأله أحد الفريسيين “وَإِذَا نَامُوسِىٌ قَامَ يُجَرِّبُهُ قَائِلاً: يَا مُعَلِّمُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟” فسأله السيد المسيح “.. مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِى النَّامُوسِ. كَيْفَ تَقْرَأُ؟” فاجاب الناموسى “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ”، ونصفها الثانى مثلها (لا 18:19) “تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ”. فأجابه السيد المسيح ” بِالصَّوَابِ أَجَبْتَ. اِفْعَلْ هَذَا فَتَحْيَا”  “وَأَمَّا هُو (الفريسى)َ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ سَأَلَ يَسُوعَ: وَمَنْ هُوَ قَرِيبِى؟” هنا حكى له السيد المسيح مثَل السـامرى الصالح ليعلمه مفهوم الأخوة العامة، والمحبة العملية للإنسان، وهذا هو الغرض الواضح من المثل، الذى يطالبنا فيه السيد المسيح، بأن نمدَّ يد العون للمحتاج، ويعلِّمنا أن نساعد الجميع بمن فيهم المختلفين عنا فى العقيدة والجنسية. فنحن بهذا نقدم نموذجا عمليا لما تعلمناه من وصايا الإنجيل (تحب قريبك كنفسك) فنشهد بذلك لمسيحنا القدوس المملوء حبا ورحمة للكل، ونقدم للناس ايماننا من خلال اعمالنا.

 – مثل الساhttps://www.youtube.com/watch?v=Rhx0cjJdAhIمرى الصالح : يحمل مفاهيم روحية ولاهوتية عميقة: ولقد قدم لنا آباء الكنيسة الكثير من التفاسير لهذا المثل. فمن الجانب السلوكى أراد الرب إبراز التزامنا بإتساع القلب، لنقبل البشرية بكل أجناسها كأقرباء وأحباء، وأوضح أن القرابة لا تقف عند حدود الدم، ولا عند العمل، وإنما تقوم على تنفيذ وصية الحب والرحمة ، مع تمسكنا بايماننا وعقيدتنا ووطنيتنا. هذا هو الهدف العام من المثل.

: أولا: شـــــرح المثــــــل

“فَأَجَابَ يَسُوعُ: إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَىٍّ وَمَيْتٍ” (لو 30:10). يبدأ المثل بالحديث عن رحلة إنسان ما كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا… وينتهى المثل بمركز إسعاف طبى يصعده إلى مكانته الأولى.

– إنسان : بدأ السيد المسيح بكلمة “إنسان” لأن قلبه دائمًا مشغول بالإنسان. لقد جاء إلـى العالم فى صورة إنسان، ومن أجل الإنسان، فالمسألة هنا تخص البشرية جمعاء فالبشرية سقطت من مسكن الفردوس المرتفع بسبب تعدى آدم للوصية، ودعا نفسه: “ابْنَ الإِنْسَانِ” ليفتدى بنى الإنسان، وقال: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْـذِلَ  نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر 45:10).

ولم يحدد المسيح هوية هذا الإنسان، لكن واضح أنه كان يهوديًا، ليوضِّح لنا من بداية المثَل أنه يريد أن يعرّفنا أن الإنسان هو إنسان مهما كانت اتجاهاته ومبادئه، حيث كانت هناك عداوة شديدة جدا بين اليهود والسامريين ومازالت حتى اليوم لأسباب تاريخية ودينية منذ انقسام مملكة داؤد فى ايام ابناء سليمان فصارت هناك مملكة شمالية لليهود وممكلة جنوبية.

– والطريق بين أورشليم وأريحا هى مسافة عشرين ميلاً، أى حوالى مسافة 36 كيلو مترًا، ولكنها كانت طريقًا خطرة منحدرة انحدارًا حادًا، وكلها صخور حادة على الجانبين، وكانت تسمّى طريق الدم، أو طريق الحمرا أو لأن هناك كان المجرمون يترصّدون المسافرين، وينهبونهم، بل أيضًا إذا اقتضى الأمر يقتلونهم.

نقطة تاريخية وجغرافية (أريحا):

معنى الاسم (اريحا) “مدينة الروائح” نسبة إلى الفاكهة والأزهار، التى كانت بها، ومن معانى الاسم أيضًا، أو مدينة الريح أو مدينة القمر، وهى المدينة الأكثر انخفاضًا عن سطح البحر فى العالم، إذ يبلغ انخفاضها حوالى 394 مترًا عن سطح البحر الأبيض المتوسط، لذلك قال الكتاب: “نازلاً” وهى ترمز للعالم الذى رئيسـه هو الشيطان (رئيس مملكة الهواء)، ولقد لعنها الله على لسان يشـوع فـى العهـد القديـم، وأمام أول عبور لأرض الموعد وقعت حصونها وأسـوارها أمـام أبنـاء الله “حَلَفَ يَشُوعُ فِى ذَلِكَ الْوَقْتِ قَائِلاً: مَلْعُونٌ قُدَّامَ الرَّبِّ الرَّجُلُ الَّذِى يَقُومُ وَيَبْنِـى هَـذِهِ الْمَدِينَةَ أَرِيحَا. بِبِكْرِهِ يُؤَسِّسُهَا وَبِصَغِيرِهِ يَنْصِبُ أَبْوَابَهَا” (يش 26:6).
– أما (أورشليم)فمعناها (مدينة السلام)، وترمز إلى ملكوت السموات.

وقع بين لصوص :

لصوص : كان يشتهر هذا الطريق باللصوص وقطاع الطرق، فالصوص ما هم إلا الشياطين الذين يسلبون الإنسان حريته، وفضائله، حيث يريد الشيطان هلاك الإنسان.
وقع : طالما الإنسان نازلاً، ترك الله ومدينة السلام، فلابد من الإنحدار والوقوع، وهذا  ما تفعله الخطية، على عكس الذى يفعله السيد المسيح لنا اذا اقامنا معه.
عروه : أخذوا ممتلكاته، نزعوا عنه ثوب النعمة والبر، مثلما حدث مع آدم بعد الخطية، وهكذا كما قالت عروس النشيد: “حَفَظَةُ الأَسْوَارِ رَفَعُوا إِزَارِى عَنِّى” (نش 7:5).
جرحوه : أصابوه (جسد – نفس – روح)، وهذا ما تفعله الخطية، وما يفعله الشيطان فهو يجرح ويفضح “لأَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ” (أم 26:7).
تركوه بين حىّ وميت : “أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَىٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ” (رؤ 1:3)، هذا ما تفعله الخطية وما يفعله الشيطان بنا، لذلك قال الأب عند عودة الابن الضال: “ابْنِى هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ” (لو 24:15).
“فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِنًا نَزَلَ فِى تِلْكَ الطَّرِيقِ فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. وَكَذَلِكَ لاَوِىٌّ أَيْضًا إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ” (لو 31:10-32).
الكاهن : فى هذا المثل لم يفكر فى هذا الإنسان، وظنّ أنه قد أتمّ عمله فى الهيكل، ولم يعلم، ولم يتذكر ما قاله الرب فى الكتاب المقدس: “إِنِّى أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً” (هو 6:6، مت 13:9).
جاز مقابله : أى مر أمامه لأن عمل الوصية (الناموس) هو بالضبط مثل عمل المرآه أو الأشعة، هى تكشف الخطأ أو العيب، ولكن كان يجب أن يأتى بالطبيب ويعطيه الدواء.
اللاوى : كان يقوم بعمل المساعدات وتلاوة الصلوات، لكنه فعل تمامًا مثل الكاهن وجاز مقابله. اهتم بخدمة المذبح الطقسية ولم يهتم بخدمة الذبيحة، ومساعدة الملقى على الأرض. واللاوى هنا يمثل الأنبياء أو النبوات من الناحية العملية، الذين حاولوا أن يوضحوا رسالة الخلاص حتى يأتى المخلص.

من وجهة نظرك لماذا لم يفعل الكاهن واللاوى شيئًا للجريح الذى على الطريق؟ ما المواقف التى نفعلها فى حياتنا مشابهة لموقف الكاهن واللاوى؟
السامرى: – “وَلَكِنَّ سَامِرِيًّا مُسَافِرًا جَاءَ إِلَيْهِ وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ”: (سامرى) معناه (حارس) فإن السيد المسيح يُعرف أنه حارسنا.

لقد اتهم اليهود السيد المسيح قبل ذلك بأنه “سامريًا، وبه شيطانًا”، ولكنه فى الحقيقة هو الإله المتجسد.. كان “مسافرًا” ولم يقل الكتاب نازلاً مثل الكاهن واللاوى.
-“وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ” وهذا اللفظ تكرر كثيرًا فى الكتاب المقدس على السيد المسيح :
– “فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِىَ لَهَا فَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا” (مر 34:6).
– “فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ” (مت 14:14).
وظهر عمل السامرى الصالح (السيد المسيح) ليس فى هذا فقط، بل فى تحننه الرئيسى، الذى كان فى عمله الأساسى فى تجسده وفداءه للإنسان، فإن كان الكاهن يمثل الشريعة واللاوى يمثل النبوات، فإن الناموس أو الشريعة والنبوات لم يكن ممكنًا أن تضمد جراحاتنا الخفية، وتردنا إلى طبيعتنا التى خلقنا الله عليها.

لكن (السامرى الصالح) الذى يمثل السيد المسيح وحده، نزل إلينا وحملنا فى جسده، مباركًا طبيعتنا فيه، ومقدمًا كل شفاء حقيقى يمس تجديد حياتنا التى من قبل وفسدت بفعل الخطية.

عندما كانت البشرية ملقاه على الأرض، وما هى إلا لحظات لتفقد الوعى وتنتهى، رآها الناموس المُعطى بواسطة موسى (ما يشير إليه بعد ذلك بالكاهن واللاوى معًا)، الذى رآها ولم يستطع أن يجلب لها الشفاء الكامل، ولم يقم البشرية التى كانت ملقاة على الأرض.
“فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا وَخَمْرًا وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُقٍ وَاعْتَنَى بِهِ”.. حينما ينهار إنسان تحت ثقل الخطية، وتصاب نفسه بجراحات عميقة، لا يحتاج إلى كلمات توبيخ جارحة، لكنه يحتاج إلى من يضمد جراحاته، أى يستر ضعفاته أمام الآخرين، ولا يكشفها.
كما يحتاج إلى الزيت لتلطيف حدة الألم، لا إلى مواد تلهب الجراح، أما الخمر فيشير إلى التنقية والتطهير المؤدى إلى الفرح.. والخمر يشير إلى الفرح، فإن كانت النفس قد انكسرت بالخطية، وفقدت سلامها، وتحولت حياة الإنسان إلى دموع، فإن طبيعتنا تتوق بأن الرب يرد إليها بهجة خلاصها من جديد، كذلك يرمز الخمر والزيت إلى عمل الروح القدس فى الأسرار.

أركبه على دابته وأتى به إلى فندق وإعتنى به: المرة الوحيدة الذى ذكر فيها الكتاب المقدس أن السيد المسيح ركب على دابة كانت فى أحد السعف، عندما كان ذاهبًا إلى أورشليم، “أتان وجحش بن أتان”، فالسيد المسيح أخذ الجريح على دابته ليغير اتجاهه (التوبة = ميطانيا وتعنى تغيير الإتجاه)، ويأخذه فى اتجاه أورشليم السمائية، ولكنه لم يتجه إلى أورشليم (تمثل السماء) مباشرة، بل أخذه إلى محطة فى منتصف الطريق، وهى الفندق (الذى يمثل الكنيسة) حتى يأتى ثانيًا ليأخذه معه.

– “وَفِى الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِى أُوفِيكَ”.

ترك الدينارين لحساب الجريح : كان يليق بهذا الصالح، وقد أدخلنا إلى كنيسته،  بكونها فندقه، الذى فيه نستريح أن يتركنا حسب الجسد، ويصعد إلى السموات ليعد لنا موضعًا.. لكنه لا يتركنا فى عوز إنما ترك دينارين.. ما هما هذان الديناران ؟ يشير الدينارين إلى:
أ- الحب بكونه قد أعلن خلال وصيتين:
1- حب الله “تحب الرب إلهك”.

 2- حب الناس “وقريبك مثل نفسك”.
وكأن السيد المسيح ترك لنا فى كنيسته كنز “الحب الإلهى” به نحب الله والناس،
ب – وهما أيضًا يشيران إلى الكتاب المقدس بعهديه..
-“فَأَىُّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيبًا لِلَّذِى وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟ فَقَالَ: ﭐلَّذِى صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ﭐذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هَكَذَا”.
تجسد هذه القصة ثلاث فلسفات عالمية اليوم:
– الأولى : “الذى لك هو لى وسآخذه” كانت هذه فلسفة العصابة.
– الثانية : “الذى معى هو لى وسأحتفظ به” هذه كانت فلسفة الكاهن واللاوى.
– الثالثة : “الذى لى هو لك وأريدك مشاركتى به” هذه كانت فلسفة السامرى الصالح.
وانت يا عزيزى أى فلسفة منهم تتبع ؟!
 

: ثانيا: ملامح خدمة السامرى الصالح

 1- خدمة بالرغم من :

كان السامرى صاحب عين صالحة أيضًا وقلب صالح، وكان يريد أن يفعل الخير للجميع. بالرغم أنه سامرى والجريح يهودى، وهما لا يتعاملان مع بعضهما، وهناك عداء بينهما إلا أنه تمَّم الوصية: “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً، فَإِنَّكَ تَجْمَعُ جَمْرًا عَلَى رَأْسِهِ، وَالرَّبُّ يُجَازِيكَ” (أم 21:25-22). وهى الوصية المقتبسَة فى العهد الجديد: “فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ. لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رو 20:12-21).


 2- خدمة سريعة :

لم تكن للسامرى معرفة سابقة بالجريح، ولم يتردد فى أن يسرع لينقذه فى الحال، ولم يقدم العون طلبًا لمجد بشرى، فلم يكن هناك من يراقب ما كان يفعله. لكنه فعل ما فعله، لأنه كان يعلم أن ان الله هو الذى يراه فقط وهو الذى سيكافأه.
 ولم يكن فى الجريح امتيازات تجتذب انتباه السامرى، بل بالعكس، فالموقف يساعد فى الإبتعاد عنه. من حيث: جنسية الجريح، وديانته، وحالته الصحية، وخطورة مساعدته من إحتمال هجوم اللصوص على من يساعده، وإحتمال إتهامه بأنه هو الذى اعتدى على الجريح! كما كان هناك احتمال أن يرفض الجريح مساعدته، لأنه يكره السامريين!

 3- خدمة تلقائية :

كانت خدمة السامرى تلقائية، كان سيقدمها لأى محتاج. لقد عمل بالوصية: “مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ اللهِ فِيهِ؟” (1يو 17:3).


 4- خدمة مستمرة :

تابع السامرى خدمته ليكملها، لم يكتف بصب الزيت والخمر على الجرح فقط، ولكن أخذه وأركبه على دابته، ثم أدخله الفندق، ثم دفع دينارين كعربون، وقال لصاحب الفندق: انفق عليه، وعندما آتى أوفيك فتحقق فيه القول الرسولى: “وَاثِقًا بِهَذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِى ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (فى 3:1).
 رسالة المسيحية هى أننا جسد الرب يسوع، نحب جميع البشر بنفس القدر الذى به أحب الله العالم حتى بذل نفسه، ليحيا ولا يهلك كل من يؤمن به. المسيحى الحقيقى هو الذى يرى حقًا فى البشر جميعًا أنهم أخوته الذين سفك السيد المسيح دمه على الصليب لأجلهم, وهو الذى يتألم لكل الباكين فى العالم ويكفف دموعهم, وهو الذى يبارك لاعنه، ويصلى لمضطهديه، حيث ليس عبد أعظم من سيده، كما قال الرب يسوع.

فهل نحن نحمل هذه الرسالة ؟!

 ثالثا: أوجه الشبه بين السيد المسيح والسامرى الصالح

ما هى أوجه الشبه بين السيد المسيح والسامرى الصالح؟
 1- قصة السامرى الصالح تجسد لنا عمل الرب يسوع لأجلنا، فى ساعة احتياجنا الشديدة إليه.
 2- أن السيد المسيح لم يكن سامريًا، ولكن دعوه سامريًا (يو 48:8)، كنوع من التحقير، هكذا السيد المسيح إحتقره شعبه، ورفضه، كما لو كان سامريًا “محتقر ومرذول من الناس” (إش 53).
 3- أتى السيد المسيح إلينا، ونحن فى أشد الحاجة إليه، “جاء لكى يطلب ويخلص ما قد هلك” (لو 10:19)، كذلك أتى السامرى إلى اليهودى.
 4- أرسل لنا الله الناموس والأنبياء، ليمهد الطريق لتجسد السيد المسيح، كذلك مر على اليهودى اللاوى والكاهن.
 5- قدم السامرى عمل رحمة، ولم يبالى بالخطر، هكذا الرب يسوع تألم، ومات من أجلنا نحن الخطاة، مستهينًا بالخزى، بذل نفسه لأجل الإنسان، ومع ذلك لم تتعرف عليه كل البشرية.
 6- لا يمكن الاعتماد على الإنسان لمساعدة الخاطئ فى زمن إحتياجه، “باطل هو خلاص الإنسان” (مز 11:60)، حتى القيادة الدينية – الوعاظ، الكهنة، والشيوخ، ومعلمو الناموس، لا يمكنهم تخليص النفس. الرب فقط الذى يستطيع عمل ذلك.
 7- رجل الدين واللاوى ربما كانا يمثلان الناموس (الشريعة)، لأنه بحسب ناموس موسى قد عُيّنوا. الناموس، لا تقدر أن تخلص، الله هو الذى أعطى الوصايا ليُرى الإنسان أنه خاطئ، وليس ليخلصه بها. فالناموس مثل المرآة، تُرى الإنسان أنه مخطئ، ولكنها لا تخلصه.
 8- لقد ضمّد السامرى الصالح جروح الملقى على الطريق. كذلك شفى الرب يسوع المنكسرى القلوب وأعطى  البصر للعمى (لو 18:4).
 9- الزيت الذى صبه السامرى على جروح الرجل، هو رمز للروح القدس “إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّى” (يو 7:16)، الخمر يشير إلى الفرح الحقيقى فى المسيح. لقد صبّ المخلص الزيت والخمر فى الحياة التى جرحت بالخطيئة.
 10- لم يرد السامرى الصالح ترك صديقه الجديد ملقى على الطريق العام، بل أحضره إلى الفندق. وهكذا الرب يسوع يأتى بنا إلى الكنيسة التى هى جسده، وهى شركة المؤمنين.
 11- قبل أن يترك السامرى الصالح الفندق، كان قد اهتم بكل احتياجات صديقه الجديد حتى عودته ثانية. وهذا  ما فعله يسوع، أعطانا كلمته، الكتاب المقدس. أعطانا روحه القدوس، أعطانا الكنيسة والتقليد والآباء، مع تعليمها، وأسرارها يعطينا القوه لكل يوم، ووعد أنه سيأتى ثانية، ليأخذنا إليه لنكون معه إلى الأبد..

تساؤلات شبابية؟ الإدمان؟

الإدمان .. افساد لجسدك الذى هو هيكل الله

“أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم” (1كو 3: 16).  وقال أيضًا: “أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم..  فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله (1كو 6: 19، 20). ولكن البعض للأسف ينسى هذه الحقيقة او يضغف فيسقط فى الأدمان الذى يفسد ليس فقط حياته الروحية بل والأرضية أيضا فيصاب بالعديد من الأمراض والكوارث وهذا هو موضوعنا

فلنحذر: التدخين – الخمر – المخدرات…

1- التدخين:

ومع أن الأبحاث العلمية أكدت علاقة التدخين بأمراض كثيرة ورهيبة منها: سرطان الرئة، أمراض القلب، قرحة المعدة، ضعف الإبصار، تشوه الجنين.. إلا أن العالم الثالث الفقير يزداد فيه التدخين، وأجيال الشباب تضيف كل يوم أعدادًا جديدة إلى المدخنين!! شىء مؤسف بلاشك وغير منطقى إطلاقًا!!.

ومن المعروف علميًا ونفسيًا أن مشكلة المدخن هى إما إحساس بالنقص، فيكمل نفسه بسيجارة ليبدو كالرجال، وأما إحساس بالتوتر النفسى والحنين للطفولة، فيضع فى فمه شيئًا للتهدئة النفسية، كما كان يضع إصبعه فى فمه فى طفولته المبكرة!! (وهذا ما يقوله الكثير من المحللين!).

2- الخمر:

المسيحية ترفض الخمر والسُكر بكل قوتها، وترفض أن يشرب الإنسان الخمر للنشوة أو الاحتفال، وبالأكثر ترفضها كمسكر!! إن المسيحية لا تحرِّم المادة، ولكنها تحرم الاستخدام الخاطئ للمادة. فالأفيون مثلاً يستخدم طبيًا كحقن المورفين. والكودايين المستخلص من الأفيون هام للكحة الجافة. ولكن إذا ما استخدم الإنسان المخدرات ليتوه عن وعيه، ويحيا نشوة كاذبة، فهو يدمرِّ نفسه تمامًا: روحيًا وذهنيًا ونفسيًا وجسديًا، وحتى أبديًا، ما لم يتب ويتخلص من هذه العبودية الفتاكة.

وفى الكتاب المقدس بعهديه: آيات كثيرة ضد الاستخدام الخاطئ للخمر، نذكر منها:

أ- لاَ تَكُنْ بَيْنَ شِرِّيبِى الْخَمْرِ بَيْنَ الْمُتْلِفِينَ أَجْسَادَهُمْ (أم 20:23).

ب- لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ.. لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ (أم 29:23-30).

ج- فِى الآخِرِ تَلْسَعُ (الخمر) كَالْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَالأُفْعُوانِ (أم 32:23).

د- حَقًّا إِنَّ الْخَمْرَ غَادِرَةٌ (حب 5:2).

هـ- وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِى فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ (أف 18:5).

و- وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ (1كو 10:6).

فاحذروا أيها الشباب من التدخين والخمر، حتى لا تدمروا أجسادكم، وأرواحكم معًا، وتخسروا الأرض والسماء أيضًا!

3- المخدرات:

يستحيل أن نتجاهل أثر المخدرات فى الأجيال المعاصرة على اتساع خريطة العالم.. ويستحيل أن نشك فى أنه مخطط واسع ورهيب يحتوى الكرة الأرضية كلها. ويهدف إلى قتل وتدمير الأجيال الصاعدة فى عديد من الدول، إما بقصد سياسى أو مادى.

ولاشك أن الأرقام التى نقرأها، والصور الحزينة التى نشاهدها كل يوم لأجساد نحيلة متهالكة، وعقول تائهة شاردة، ونفوس محطمة يائسة، ونهايات نبكى لها بالدم لا بالدمع، تجعلنا نعطى لهذا الموضوع أهميته القصوى.

فالمخدرات عملية قتل منظمة لجيل بأكمله، لأنها تحدث تآكلاً وتدميرًا فى خلايا المخ، وتعرض صاحبها لمخاطر الاعتماد، وأعراض الانسحاب لأنه حينما لا يجد المخدر، فيصاب بآلام رهيبة، فيأخذ جرعة أخرى!.

ونحن نشكر الله أن هناك الآن حملات ضخمة ضد المخدرات تشتمل على:

1- التوعية.. من مخاطر الإدمان.

2- العلاج.. أى سحب المخدر من جسم المدمن.

3- التأهيل.. من أجل أن تتكامل إرادة وشخصية المدمن سابقًا، فيعود إلى المجتمع بصورة سليمة ناجحة، بعيدًا عن أصدقاء السوء.
ومعروف أن المخدرات تنتشر نتيجة عوامل ثلاثة أساسية:

1- سهولة الحصول عليها:

والجهد الذى تبذله وزارة الداخلية فى هذا الصدد قوى ومؤثر.. وتوافر المال لدى الشباب قد يعرضه للسقوط فيها.

2- الشخصية المضطربة:

المادية والنفسية والاجتماعية، وضحالة الحياة الدينية، وتفكك الأسرة. وغياب الحنان والتوعية والحوار والتوجيه.. وسفر أحد الوالدين للخارج تاركًا أولاده فريسة لأصدقاء السوء، مما يستدعى جهودًا فى التربية السليمة.

3- المناخ العام:

نتيجة الضغوط المتزايدة: الذى يجب أن يتكون من خلاله رأى جماعى رافض لهذه السموم، من خلال وسائل الاتصال والندوات الشبابية.. بدلاً من إحساس الشباب بأن هذا شىء سائد يغريه بتجربته وممارسته.

ومعروف أن بعض السموم كالهيروين يصل المدمن إلى إدمانه هذا من خلال بضع شمَّات، بعد ذلك يستعصى عليه الاستغناء عن هذا المخدر القاتل، إذ يصل إلى حالة من الاعتماد على المخدر فى تخفيف آلامه هذه، إذ تتوقف إفرازات المخ الطبيعية نتيجة الإدمان فيعتمد على الجرعات المتاحة من الخارج، وهنا تكتمل المأساة!!.

المخدرات والشخصية:

ربما يسأل سائل ما علاقة المخدرات بموضوع الشخصية المتكاملة؟ نجيب أنه:

1- لولا أن الشخصية مضطربة ومتوترة، لما لجأت إلى هذه السموم.

2- أو أنها شخصية ضعيفة انقيادية، لهذا استسلمت لأصدقاء السوء.

3- أو أنها شخصية غير قادرة على مراجعة نفسها، وتحديد مسار حياتها، لذلك رفضت العلاج!! أو انتكست بعد العلاج!!

وتعالوا نتصور شخصية المدمن وما اعتراها من دمار وخراب وفشل: دراسى، وعلمى، وروحى، واجتماعى، وصحى، لنبكى جميعًا على هذه الحالات، ونحرص أن نربى أولادنا على أسس نفسية ودينية سليمة، ونقدم لهم فرص الحوار البناء، ليفرغوا كل توتر لديهم، ويتخذوا عن اقتناع القرارات الصائبة، والاختيارات السليمة.

وهمسة فى أذن كل والد ووالدة.. أجيدوا فضيلة الاستماع لأولادكم، وأحسنوا الإنصات، وقدموا الثقة والمصارحة، وأدخلوا معهم فى حوار متصل، فما أخطر الشحنات المكبوتة إذ ينتج عنها تكوين شخصيات غير سوية، بينما هدفنا من تربية أولادنا أن يكونوا أصحاء وأسوياء.
 

شاهد كيف تنتصر

الشباب والتدخين

الشباب والتدخين

لنيافة الحبر الجليل  الأنبا موسى

مع أن المسيحية لم تهتم كثيراً بوضع شرائع محددة فى أمور الحياة اليومية إلا أنها حرصت على أمرين:

أولاً: أن تكشف مكامن الخطأ وجذوره، وتطالبنا برفضه والإقلاع عنه…

قراءة المزيد…

الألم؟

بقلم نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى

وَلَكِنْ لَنَا هَذَا الْكَنْزُ فِى أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ” (2كو 7:4).

هناك ثلاث نقاط خاصة بالألم :

1- الألم ثمرة الخطية

1- موت جسدى : بعد أن كان آدم يعيش مع الله، أصبح بعد يعيش لفترة ثم يموت.

2- موت روحى : آدم إنفصل عن الله وطرد من لفردوس.

عقاب الخطية موت رباعى :

3- موت أدبى : أصبح آدم موضع إهانة مستمرة من الطبيعة والشيطان.

4- موت أبدى : يقضى أبديته بعيدًا عن الله فى جهنم.

– التدخين يسبب سرطان رئة – أمراض القلب – قرحة  فى المعدة.

الخطية تحمل فى طياتها أدلة إدانتها مثال :

– شرب الخمر يسبب سرطان كبد وفشل كلوى.

– تعاطى المخدرات يسبب تلف فى المخ Brain Damage.

– النجاسة تسبب Sexualy Transmitted diseases. S.T.D.S.

أمراض تأتى نتيجة الاتصالات مثل :

– Herbes (الهربس) : وهو عبارة عن قروح..

– السيلان : وهو عبارة عن صديد فى البول.

– الزهرى : الذى يبدأ بقرحة، ثم يتحول إلى طفح يشمل الجسم كله، ثم يسبب شللاً رباعيًا، مع خلل فى المخ، مثل المفلوج. لذلك ابتدأ السيد المسيح بشفاء روحه أولاً.. ثم جسده!

– مرض الكلاميديا : الذى ينقل من الذكور إلى الإناث، وهو مرض صامت، لأن أعراضه تظهر فى الذكور عبارة عن حرقان فى البول، بسبب فيرس ينقل للأنثى ويسبب التهابًا فى قناتى فالوب، فتنسدا ثم يدمر المبيضين!!

– الإيدز : عبارة عن تدمير جهاز المناعة إلى أن يموت الإنسان.

والمفهوم عن المرض لدى العامة أنه عقاب عن الخطية، لذلك فى معجزة شفاء الأعمى قال الناس: “مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ” (يو 2:9). حقًا الخطية مدمرة، وآلامها تشمل كل زوايا الإنسان وليس لها عزاء.

2- المفهوم الجديد للألم

آلام الشركة – آلام الصليب – آلام ذبيحة الحب..يشعر الإنسان أثناء الألم أنه يشترك مع المسيح الفادى الذى تألم دون أن يخطئ، هذا الذى تذكر عنه النبوات قائلة:


اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِى فِى زِقِّكَ“(مز 8:56)… وكتب معلمنا بولس الرسول: “وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (فى 29:1).

وعندما يقول القديس بولس الرسول: “أُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِى جِسْمِى لأَجْلِ جَسَدِهِ: الَّذِى هُوَ الْكَنِيسَةُ” (كو 24:1)، فهو يرسم أمامه المسيح هو الرأس والجسم هو الكنيسة.. الألم الذى يدفعه المؤمنون هذا يجوز فى قلب المسيح، فنحن نتألم الآلام التى لم يتألمها المسيح وهو سيكون معنا فيها.. نحن الذين نتألم كأعضاء فى جسده، فهو يتضايق لضيقنا “فِى كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ” (إش 9:63).

فهو تألم فى فترة حياته على الأرض إلى أن صعد إلى السماء، والآن نحن نتألم آلام يشعر بها وهو فوق..الألم فى العهد الجديد ليس فقط مصحوب بعزاء وإيجابيات، إنما مصحوب بفرح كما قال الكتاب عن الرسل: “وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ
أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ
” (أع 41:1)، “افْرَحُ فِى آلاَمِى لأَجْلِكُمْ” (كو 24:1)، “إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَىْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ” (رو 17:8).

ورسائل القديس بطرس الرسول كلها تتكلم عن الآلام التى للمسيح، والأمجاد التى بعدها. هذا نوع جديد من الألم ليس بسبب الخطية، إنما لأجل الشركة مع المصلوب، الخطية تصبح ألمًا ليس عقابًا لأن عقابها هو الموت الرباعى، ولكن الشركة توجب ألمًا مصحوب بالعزاء والفرح، ليس بوخزات الضمير وتعب النفس.. لذلك كان آباؤنا القديسين يحبون الألم والشهداء كانوا يستعذبونه بل ويسعون إليه، لدرجة أن الكنيسة منعتهم فى النهاية.. أذكر مثالاً على ذلك:

عندما أراد أحد الولاة أن يكرم شخص مسيحى قائلاً له: بماذا أكرمك؟ أجابه قائلاً: (إن أردتم أن تكرمونى فعذبونى قبل أن تميتونى).. وجميع طغمات الشهداء من الأطفال والنساء والرجال استعذبوا آلام الموت من أجل المسيح، لأنه كان ألم الشركة وليس الخطية..

3- الألم فى قصد الله

الله يسمح بالألم لأولاده لأجل فوائد كثيرة .. وهى :

1- يقود إلى التوبة :

ألم الخطية يقود البعيدين عن ربنا إلى التوبة والرجوع إليه، فهو ليس ألم عقابًا وبلا جدوى، إنما بهدف التوبة إليه.. فالإبن الضال بعدما بذر أمواله بعيش مسرف تألم بالجوع وبالمهانة، وبالعرى، وبالبعد عن والده، وبالندم، بعد أن تركه أصحابه.. فعاد تائبًا إلى حضن أبيه.

2- للتنقية :

الذهب لابد أن يدخل النار ليتنقى. وهنا مثالنا فى أيوب، فقد كان إنساناً كاملاً بشهادة من ربنا “لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِىَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِى أَيُّوبَ” (أى 7:42)، فهو كان يقدم ذبائح عن نفسه وعن أولاده، ولكنه كان يقارن نفسه بوثنيين عصره فيرى نفسه بارًا، وهذا ما يسمى بالبر الذاتى، لذلك سمح له الرب بهذه الآلام لكى ينقيه من هذا الإحساس، ثم أرسل له المعزون المتعبون يقولون له سيئاته فنجده يدافع عن نفسه قائلاً: “لِيَزِنِّى فِى مِيزَانِ الْحَقِّ فَيَعْرِفَ اللهُ كَمَالِى” (أى 6:31) هنا يدافع عن نفسه فهو لم يفعل خطايا فعلية، ولكن كان لديه إحساس بالرضا عن النفس. فبدأ الله من هنا يطهره من هذه الخطية، فأخذ ممتلكاته، وغنمه ثم أولاده، حتى قال أيوب: “أَهْوَالُ اللهِ مُصْطَفَّةٌ ضِدِّى” (أى 4:6).. وفى النهاية عندما عبر به الله أجاب أيوب الرب قائلاً: “أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِى. بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِى. لِذَلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِى التُّرَابِ وَالرَّمَادِ” (أى 4:42-6). هذا ما فعله الله بأيوب من تجارب كانت لكسر ذات أيوب من أجل التنقية وليس تكسير جسده.

3- التذكية :

عندما طلب الرب من إبراهيم أن يقدم له أغلى ما عنده إبنه اسحق محرقة بثقة القيامة، وثقة الوعود التى سبق ووعده بها ربنا، قدم إبراهيم أبنه كما عبر عنه الكتاب قائلاً: “لَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّى” (تك 12:22).

هدف هذه الآلام يبرز جوهر ومعدن المؤمن فينال إكليل الحياة.. المؤمن الحقيقى عندما يأخذ منه الرب غالِ عليه فهو يشكر الله قائلاً: “الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا” (أى 21:1). وبذلك يتذكى.

4- الوقاية :

الله يسمح بالألم ليقى الإنسان من الكبرياء، لذلك يقول القديس بولس الرسول: “َلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِى الْجَسَدِ” (2كو 7:12)..

الألم كخزامة تمنع الجمل من أن يجمح.. هذه كما يسميها البستان مكاوى يسوع لتحفظنا فى الأتضاع فمعلمنا بولس
كان عنده
:

1- ملاريا.            2- ضعف بصر.        3- قرح.

وقد سمح بها الرب لكى يحيا الإتضاع، ولا يرتفع بسبب إنجازاته فى الخدمة، والرؤى التى رآها..تَكْفِيكَ نِعْمَتِى، لأَنَّ قُوَّتِى فى الضُّعْفِ تُكْمَلُ” (2كو 9:12).. حينئذ نعيش الفطام، لأن لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ” (عب 14:13) حيث التمجيد  “لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا” (2كو 17:4).

+”لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَىْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِى السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (فى 9:2-11).

 "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ  لِكَىْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ"  (رو 17:8)،  والذى يرفض الألم.. يرفض الإكليل أيضًا.

الرهبنة سبق تذوق للخلود

الرهبنة فى جوهرها هى “الانحلال من الكل، للارتباط بالواحد” حبًا فى الله، واكتفاء به نصيب أبدى.

كيف نشأت الرهبنة فى مصر ؟

كما أن مصر هى أم الحضارات (حضارة 7000 سنة)، فكنيستنا القبطية الأرثوذكسية فى مصر، هى أم الرهبنة المسيحية فى العالم. والقديس الأنبا أنطونيوس المصرى (251-356م)، هو أب جميع الرهبان. والسبب فى ذلك أن القديس أنطونيوس الذى عاش فى القرن الرابع الميلادى، هو مؤسس الرهبنة فى مصر، حيث كانت الرهبنة تقتصر قبل ذلك على متوحدين يسكنون الصحراء فرادى، يعبدون الله أثناء الليل وأطراف النهار، إلى أن جاء الأنبا (الأب) أنطونيوس، وعاش مثلهم: فاجتمع حوله الآلاف، ولذلك أسس لهم ديرًا، وكان الأنبا أنطونيوس يتنقل بين المتوحدين فى البرارى، يسألهم ويستمع إليهم، ويشبع
من تعاليمهم وروحياتهم، إلى أن اعتكف فى الميمون، ثم وضع لتلاميذه أسس “الديرية”، والحياة الرهبانية.

1- من هو القديس أنطونيوس ؟

هو شاب قبطى (مصرى) غنى، من قمن العروس (الواسطى – بنى سويف)، كانت له أخت شقيقة، ومات والداه، وتركا له مساحة شاسعة من الأرض الزراعية المثمرة. ولكنه فى يوم ممات والده، نظر إلى الجثمان المسجى على الأرض، وقال فى نفسه مخاطبًا أباه: “ها أنت يا أبى تخرج من هذا العالم بغير إرادتك، أما أنا فسوف أخرج منه بإرادتى”. ووزع كل ماله على الفقراء، وأودع أخته فى بيت للعذارى، ومضى ليتوحد فى الصحراء الشرقية.

ويذكر تاريخ الكنيسة أن الأنبا أنطونيوس بدأ نسكياته (أصوامه، وصلواته، وسجداته) على شاطئ النيل، فى قرية دير الميمون (حيث سميت كذلك تيمنًا “بالميمون” أى “المغبوط” أنطونيوس). وبينما هو يصلى ويقرأ فى الكتاب المقدس، جاءت امرأة لتغسل قدميها فى النهر، فعاتبها قائلاً: “كيف تفعلين ذلك أمام راهب؟”. فأجابته قائلة: “راهب!! الراهب لا يسكن فى المدن، بل يذهب إلى عمق الصحراء”. فأعتبر هذا صوتًا من الله، ودخل حتى إلى شاطئ البحر الأحمر، فى “البرية الجوانية” حيث ديره المقدس القابع هناك. وبدأ كثيرون يجتمعون إليه، يطلبون إرشاده الروحى.. ومن هنا صار المكان ديرًا يضم المئات من عابدى الرب، ومسبحى اسمه القدوس. وبعدها جاء الأنبا بولا ليكوّن مجموعة من الرهبان ثم ديرًا، وانتشرت الرهبنة فى كل مكان بعد ذلك.

منهج الصلاة والعمل :

حينما بدأ أنطونيوس حياة الصلاة الدائمة، شعر بالملل، فظهر له ملاك من الله، يلبس الرداء الأسود، والقلنسوة (غطاء الرأس للرهبان)، يصلى قليلاً، ثم يجلس ويضفر الخوص بيديه قليلاً. وقال له الملاك: افعل هذا فتطرد الملل. ومن وقتها صار الرهبان يلتزمون بالحياتين معًا: التأمل والصلوات الكثيرة، وعمل اليدين، ليعيشوا منه، ويتصدقوا بالباقى على الفقراء.

وطبعًا كان أهم عمل يدين ممكن فى ذلك الوقت، هو ضفر الخوص (سعف النخل) المتواجد فى البرية، وصنع السلال. وكان أحد العلمانيين (أى المدنيين) يتعهد بالمجئ إلى الدير كل أسبوع، ليأخذ السلال، ويبيعها، ويشترى للرهبان حاجاتهم الأساسية من غذاء وكساء ودواء.وقد تطور عمل اليدين الآن إلى زراعة مساحات كبيرة من الصحراء، أصبحت تنتج إنتاجًا وفيرًا ومتميزًا، حيث يتم استخدام أحدث الأساليب العلمية فى رعايتها، وإنمائها، وتصنيع منتجاتها، وذلك وفاء لاحتياجات الرهبان الذين صاروا بالمئات، وكذلك لخدمة المنطقة المحيطة بالدير، وكانت تضم الكثير من الفقراء.

2- كيف يتم إختيار الرهبان ؟

أ- يتردد الشاب المحب للرهبنة (وينطبق هذا على الراهبات أيضًا)، على الدير، لفترة مناسبة، بعد أن يكون قد أنهى دراسته (غالبًا الجامعة) وفترة تجنيده، واستلم عملاً..
ب- حين يتم اتخاذ قرار دخول الدير، بموافقة اب اعترافه  ورئيس الدير، يترك الشاب عمله واسرته،ويلتحق بالدير، ولا يجوز الرهبنة بعد سن 35 عاما.
ج- يستمر طالب الرهبنة ثلاث سنوات فى ملابس بيضاء، يمتحن فيها نفسه، ويمتحنه فيها الدير.. ثم  تتم رهبنته، ويلبس الملابس السوداء، والقلنسوة التى تحمل 13 صليبًا تمثل السيد المسيح والأثنى عشر تلميذًا، إشارة إلى أنه متشبع بفكر المسيح والآباء الرسل، وحياتهم المقدسة. ويصلى عليه صلاة الراقدين، علامة أن هذا الإنسان “مات” عن العالم والمادة والأرضيات، ليحيا لله والملكوت السماوى.
د- بعد الرهبنة يكون الراهب تحت إرشاد مباشر من أب روحى مختبر، وتحت ملاحظة مستمرة من إدارة الدير، سواء فى حياته الروحية ، أو فى خدمته بالدير، أو فى المسئوليات التى تسند إليه، أو فى سلوكياته العامة مع الرهبان والزائرين، أو فى نزوله إلى المدينة بتكليف من رئاسة الدير لبعض المهام..
ه‍- القاعدة العريضة من الرهبان – بنعمة الله – تسلك السلوك الحسن، أما الأقلية الصغيرة التى تميل نحو الخطأ، فيتم توجيهها ونصحها وتحذيرها وتقويمها. فإن أصر أحد على الانحراف عن السلوك الرهبانى، تتم محاسبته عن طريق لجنة شئون الرهبان، المنبثقة عن لجنة شئون الأديرة، وكلها من الآباء الأساقفة رؤساء الأديرة.. وذلك لاتخاذ اللازم نحو إجراءات روحية، أو ربما تجريد كامل، حسب نوع وحجم الخطأ فيتخذ نحوه الإجراءات. وحتى فى هذه الحالة يتم مراعاة الأخ إنسانيًا وماديًا، ليستقر فى حياة جديدة مدنية، إذ تتم مساعدته فى الحصول على عمل أو بدء مشروع يعيش منه. وبالطبع يبقى القرار فى يده، أن يحيا بطريقة مقدسة، أو أن ينحرف!

3- جوهر الرهبنة:

إن الرهبنة فى جوهرها كما علمنا الآباء القديسون هى “الانحلال من الكل، للارتباط بالواحد”.. أى الابتعاد عن البشر جميعًا، حبًا فى الله، واكتفاء به نصيب أبدى.

وتعتمد الرهبنة على أساسيات هامة مثل :

1- البتولية : أى عدم الزواج مدى الحياة، وهذا  ليس انتقاصًا من قدسيته وكرامته، فالزواج فى الكنيسة أحد الأسرار السبعة المقدسة، إذ فيها يتحد العروسان معًا، ليصيرا واحدًا بالروح القدس، ويكونان أسرة مقدسة مع أبنائهم وبناتهم.

+أما البتولية فهى دعوة إلهية يخص بها الرب بعض أبنائه وبناته، إذ أن “كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ” (مت 16:20)، فيشعر الواحد منهم أنه لا يحتاج إلى زواج، بل يحس بالسعادة الغامرة فى التسامى بطاقاته المختلفة، لتصير طاقة حب لله والإنسان، وليتفرغ نهائيًا للصلوات والعبادة، طلبًا لحياة القداسة والكمال، متشبهًا بالملائكة، الذين لا يكفون عن العبادة والتسبيح، أمام إلهنا العظيم. “عَلَى أَسْوَارِكِ يَا أُورُشَلِيمُ أَقَمْتُ حُرَّاسًا لاَ يَسْكُتُونَ..” (إش 6:62)، فالرهبنة – إذن – هى سبق تذوق للخلود.

2- الوحدة والإنفراد : فالراهب الأمين، كثير الاختلاء والصلوات، فى البرارى والجبال، قال معلمنا بولس الرسول عن الرهبان: “وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقّاً لَهُمْ. تَائِهِينَ فِى بَرَارِىَّ وَجِبَالٍ وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ” (عب 38:11). حيث كانت الرهبنة الانفرادية موجودة فى أيام يوحنا المعمدان (قبل ميلاد السيد المسيح مباشرة)، فى طائفة تدعى “الاسينيين” ولما جاءت المسيحية، تم تعميد هذا الاتجاه، لتصير “الرهبنة المسيحية”.

3- العفة والتجرد : بمعنى أن يتعفف الراهب حتى عن المقبول ، فينسى المال والمقتنيات والأرضيات ويحيا حياة ( الفقر الاختيارى) بفرح، واضعاً العالم وراء ظهره، رافعًا قلبه إلى السماء، وممتدًا ببصره نحو الحياة الابدية والخلود. وما ينطبق على المادة ينطبق على الجسد والحسيات والشهوات الأرضية المختلفة، كما ينطبق  ذلك على كل ما فيه تضخيم للذات الإنسانية ، والهروب من من مناصب وأمجاد عالمية زائفة. واضعا السيد المسيح فقط نصب عينيه هو شبعه وفرحه الوحيد فى هذا العالم.”معك لا اريد شيئا على الارض”.

4- الطاعة : فالهدف الأساسى للرهبنة هو “قطع المشيئة”، أى أن لا يكون للإنسان مشيئة خاصة ذاتية، فهو لا يريد شيئًا سوى الله. حتى ميراث الملكوت وأمجاد السماء ليست هدفه فى الحياة، فما قيمة هذه الأمجاد بدون الله؟! إنه لا يجاهد ضد الخطيئة خوفًا من عقاب، ولا يتطلع إلى الخلود طمعًا فى ثواب، بل هو يطلب الله، والله وحده!! فهو غير المحدود، إذن.. السيد المسيح عريس النفس هو النصيب الصالح، الذى لن ينزع منا إلى الأبد!!

– “نَصِيبِى هُوَ الرَّبُّ، قَالَتْ نَفْسِى” (مرا 24:3).
– “مَنْ لِى فِى السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا” (مز 25:73).

لهذا يطيع الراهب تعليمات أبيه الروحى، وتكليفات وإرشادات ونظام الدير الإدارى، فى روح التواضع الجميل، الذى يرى فى الطاعة كل البركة.. عملاً بقول الكتاب: “أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ” (عب 17:13).. لأننا “سَلَّمْنَا، فَصِرْنَا نُحْمَلُ” (أع 15:27).

4- كيف انتشرت الرهبنة القبطية فى العالم ؟

1- حدث ذلك حينما نشر البابا أثناسيوس الرسولى سيرة القديس أنطونيوس فى أوروبا، أثناء نفيه هناك، حيث كان قد تتلمذ على يدى القديس أنطونيوس لثلاث سنوات.
2- الكتب التى كتبها النساك والرحالة الأجانب الذين زاروا مصر، وشاهدوا أنظمة الرهبان، ودرسوا تعاليمهم وأقوالهم، وتقابلوا مع آباء البرية الكبار، وسجلوا كل ذلك فى شهاداتهم مثل: باليديوس، وكاسيان، وروفينوس، وجيروم..
3- الرهبان المصريون الذين انتشروا فى بلاد أخرى كإنجلترا، وايرلندا، وأثيوبيا، وأرتيريا، أو الرهبان الأجانب الذين عاشوا الرهبنة فى مصر، ثم عادوا إلى بلادهم، مثل: هيلاريون مؤسس الرهبنة فى فلسطين والأردن وسوريا، وباسيليوس الذى أسسها فى آسيا الصغرى، ومار أوجيه فى العراق، وأبيفانيوس فى قبرص.

5- ما هو دور الرهبنة الآن ؟

كان دور الرهبان – ولا يزال أساسيًا – فى حياة الكنيسة، ولذلك حرص قداسة البابا شنوده الثالث على تأسيس أديرة قبطية فى المهجر، فى أوروبا وأمريكا واستراليا والسودان.. ومن أمثلة هذا الدور :

1- تقديم نماذج حية مقدسة، سواء من الرهبان القدامى أو المعاصرين.
2- تركيزهم فى الدراسة أنتج لنا الكثير من الدراسات اللاهوتية، والطقوس، والعقيدة، والتاريخ الكنسى، بالإضافة إلى رصيد ضخم من أقوال هامة فى الطريق الروحى: الصلاة – التوبة – التواضع – الافراز والتمييز – الجهاد الروحى – المحبة – العفة- التجرد والفقر الاختيارى….
3- قام الرهبان بحفظ الإيمان والتقاليد والطقوس، فى مواجهة الهرطقات التى واجهتها الكنيسة على مر العصور، أو أيام الإضطهاد التى تشتت فيها المسيحيون، حتى بطاركتهم.. مثل: الأنبا بنيامين الذى أعاده عمرو بن العاص إلى كرسيه.
4- تقدم الرهبنة للكنيسة الآباء البطاركة والأساقفة، الذين يقومون برعاية الشعب، كل حسب إختصاصه أو منطقته الجغرافية.مصحوبة بالصلوات والاصوام ليتدخل الله فى الاختيار.
5- يرأس البابا البطريرك مجمع الآباء المطارنة والأساقفة “المجمع المقدس” للكنيسة القبطية، وهو أعلى سلطة فى الكنيسة، فى مجالات: الإيمان والتعليم، والتشريع، والرعاية، والعلاقات الكنسية فى مصر والشرق الأوسط وكل العالم.

6- النهضة الرهبانية المعاصرة:

كان قداسة البابا شنوده الثالث (الراهب انطونيوس السريانى)، يحب الرهبنة من كل قلبه، ولم يكن فى نيته حين ترهب أن يعود إلى الحياة فى العالم إطلاقًا. وقد عاش فى دير السريان لفترة طويلة، قضى منها سنوات فى مغارة متوحدًا.. واستحق أن يلقب ب‍ “باعث النهضة الرهبانية المعاصرة”..

ومنذ أن سيم الانبا شنودة (اسقفا للتعليم) وحتى بعد ما سيم بطريكا للكنيسة القبطية ، كان يحرص أن يقضى فى الدير جزءًا مناسبًا من الأسبوع، كما حرص على إحداث نهضة رهبانية ضخمة، تمثلت فى :

1- إعلاء قيمة الرهبنة فى حياة الشباب والشعب.
2- تأسيس بيوت للخلوة الروحية للشباب، داخل الأديرة، ليقتربوا من هذا الطريق، فيكتشف البعض منهم أنه مناسب له، مما أدى إلى طفرة فى إعداد الرهبان، حتى وصلوا إلى حوالى 1500 راهب وأكثر من 500 راهبة.
3- تعمير الأديرة وتوسيعها لتستوعب الأعداد المتزايدة من الرهبان، وقد أعطت الدولة مساحات كبيرة من الأرض للأديرة، حين رأت نجاح الرهبان فى استصلاحها واستزراعها بطريقة متميزة.
4- إحياء الرهبنة فى الأديرة القديمة المندثرة وإنشاء وتأسيس أديرة جديدة.. وأديرة قبطية فى مصر والمهجر. وذلك لحفظ الروابط مع الكنيسة الأم، والوطن الأم، والتراث الرهبانى القبطى الأصيل.

+الرهبنة – ببساطة – هى عين الكنيسة وعقلها وقلبها، والحارس الأمين على اللاهوتيات، والنسكيات، والعقيدة وأصول طريق الملكوت.. لهذا قيل عن الرهبان أنهم: “بشر سمائيون، أو ملائكة أرضيون”. هذا بالجهاد الروحى الأمين فى حياة بتولية للجسد والروح، حيث يهتم الراهب البتول فيما للرب دائما غير منشغل بامور العالم واخباره  ومناصبه ،مطبقا قول رب المجد يسوع “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِىَ وَرَائِى فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِى” “لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟” (مر 34:8-36).
+ بما ان الراهب يحيا حباة بتولية دائمة فى الجسد والروح وهى اكثر ما يميز الرهبنة والتكريس، نحب عزيزى القارئ ان نقلى الضوء قليلا على حياة البتولية. حيث ايضا حياة التكريس البتولى (الرهبنة الخادمة).

7- الرهبنة والبتولية ..كيف نفهم البتولية؟

هل البتولية مجرد حالة الامتناع عن الزواج فقط؟

نعم، البتولية، فى شكلها العام امتناع عن الزواج.. فالشخص البتول لا يتزوج.. ولكن ليس هذا هو كل شئ. فالأعزب لا يتزوج.. وفرق كبير وجوهرى، بين الأعزب والبتول.
ولنسترجع سويًا كلمات السيد المسيح له المجد.. وهو يعلم عن البتولية، بعد أن عرض لموضوع الزواج والطلاق.

“قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: إِنْ كَانَ هَكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ.. فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هَذَا الْكَلاَمَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِىَ لَهُم، لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هَكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ” (مت 10:19-12).

إذن.. فالبتول هو ذاك الإنسان الذى استطاع أن يخصى نفسه لأجل ملكوت السموات.

ولكن هل يقبل كل الناس هذا الكلام؟

قال ربنا يسوع له المجد: “َيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ” (مت 12:19).
ونحن نسأل لماذا لم يقل الرب هذه العبارة حين علم عن الصلاة، عن الصدقة، عن الصوم… الخ والجواب واضح، أن على الكل أن يقبلوا هذه الفضائل ويسعوا إليها.. كأمر حتمى وضرورى ونافع لخلاصهم. أما عن الذين خصوا أنفسهم من أجل الملكوت، فليس الكل قادرًا.. بل فقط الذين أعطى لهم، فإن “كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ” (مت 16:20). اذن ..

البتولية هبة وعطية من الله:

يخطئ من يظن، أن البتولية بجناحيها فى (الرهبنة – التكريس) فقط جهاد من جانب الفرد، مهما كان هذا الجهاد مقدسًا.. وإلا، لما قال رب المجد صراحة: “بَلِ الَّذِينَ أُعْطِىَ لَهُم.. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ” (مت 12:19).

إذن البتولية.. هبة وعطية، يهبها الله.. ودعوة لأفراد فحص الله قلوبهم، وعرف مقدار حرارة الحب التى تضطرم فى حياتهم، فكانت شهوة قلوبهم الارتباط بالرب، وجعلوا كل اتكالهم عليه، فهو الكل فى الكل، ولسان حالهم: “مَنْ لِى فِى السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِى الأَرْضِ” (مز 25:73).

هنا يظهر مقدار وعظم هذا الحب الفائق، للملك المسيح.. عريس النفس ومشتهى الأمم ولهذا، يقدم البتول، حياته ذبيحة مقدسة، ذبيحة حب، على مذبح البتولية.. حقيقة الكل مدعوون للملكوت، والكل ينشدون الملكوت، والكل أعضاء فى جسد المسيح، إلا أن نفس البتول تكون بمثابة العروس الخاص للمسيح.. “غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ (البتول) يَهْتَمُّ فِى مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِى الرَّبَّ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِى مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِى امْرَأَتَهُ” (1كو 31:7-32).

+والبتولية هى أيضًا زيجة مقدسة ( اقتران بالمسيح عريس النفس ).. نعم ارتباط قوى مقدس (تهتم فيما للرب كيف ترضى الرب) ، وهذه الزيجة المقدسة، تتأكد تمامًا، وقبل كل شئ، بعامل الحب الشخصى العميق للسيد المسيح.

+إن البتول، وقد ثبت نظره وعاطفته وإرادته كعروس خاص، للمحبوب، يكرس حياته، من أجل المسيح ذاته.. وليس من أجل عمل التسبيح والتأمل (كما فى الرهبنة) أو من أجل خدمة هنا وهناك مهما عظمت (كما فى التكريس).. ولكن فى إتحاد العروس بالعريس السيد له المجد، لأجل ملكوت السموات.

إن هذا الهدف المقدس، هو الذى يجعل لحياة البتول، قوة الشهادة. ولنا فى الرهبنة القديس أنطونيوس والأنبا بولا والقديس الأنبا باخوميوس والأنبا شنوده والكثيرين.. كنماذج عظام فى الرهبنة، وأيضًا فى التكريس البتولى هكذا عاش بولس الرسول. وخدم وكرز كأعظم كارز عرفته المسيحية، ولقد حمل إيليا النارى أعظم الرسالات، وهو بتول.. وكان سر قوته، أنه ثبت نظره فى إله آبائه القديسين.. وغار غيرة الرب.

ختاما:
عزيزى القارئ حينما نريد ان نتكلم عن الرهبنة سواء الرهبنة العابدة فى الاديرة او الرهبنة الخادمة فى التكريس لن تسعنا كتب كثيرة، الرهبنة بحر من القداسة، وطيب مسكوب على قدمى الرب،ولكن هذه لمحات اردنا ان نغوص بها فى بحر الحب الالهى المنسكب فى حياة الراهب والمكرس والبتول ووجدنا معا كيف ان حياة الرهبنة اثراء وحفط للكنيسة ، كما انها للراهب والمكرس البتول، هى سبق تذوق لحياة الخلود مع رب المجد يسوع الذى له كل المجد الى الابد امين.

المقال بقلم نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى الأسقف العام للشباب

الجهاد الروحى

كيف أتغير؟

1- الجهاد الإنسانى:

الإنسان يتغير بدور إيجابى منه، ودور إلهى من نعمة المسيح…كيف؟ ما هو دور الجهاد الإنسانى؟
يعتمد الجهاد الإنسانى على 4 نقاط, يجب أن تتوفر لدى الإنسان, ليستطيع الرب أن يعمل فيه بروحه القدوس, ويخلصه… وهذه هى:
1- صدق النية 2- بذل الجهد 3- الشبع الروحى والأعمال الصالحة 4- السهر الروحى

1- صدق النية:

والمقصود بها أن يكون الإنسان الخاطىء مهتمًا بخلاص نفسه, ومقتنعًا بأهمية ذلك, ولديه نية صادقة للجهاد الروحى, فى طريق الخلاص.

فالإنسان لا يخلص رغمًا عن إرادته, بل بمحض إرادة الحرَّة. وإلهنا لا يريد دمى, أو قطع شطرنج, يحركها بالريموت كونترول!! بل بالحرى يقف على الباب ويقرع, إلى أن يفتح له الإنسان قلبه, فيدخل إليه!!.

“هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِى، وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِى” (رؤ 20:3).
ألم ينادى الرب أورشليم مرات عديدة, ولسنين طويلة لكى نتوب, وهى التى رفضت؟!

“يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ، كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا؟! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً!” (مت 37:23, 38).

“وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلاً: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضاً حَتَّى فِى يَوْمِكِ هَذَا مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ؟ وَلَكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِىَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِى أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِى زَمَانَ افْتِقَادِكِ” (لو 41:19-44).

إذن… هناك نداء إلهى, وزمان افتقاد لها, وتنبيهات من الروح القدس.. المهم أن نستجيب لها, ونطلب خلاص أنفسنا بصدق نية… ألم يسأل الرب المفلوج: “أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟” (يو 6:5).

2- بذل الجهد

فمن يطلب الخلاص بنية صادقة, عليه أن يبذل الجهد, مقاومًا ضد الخطية… عملاً بقول الرسول:
“لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب 4:12).

وما أكثر القديسين والقديسات, الذين جاهدوا وقاوموا حتى الدم فعلاً, ضد الخطية!! نذكر هنا القديسة بربتوا, والقديسة فيلستاس, والشاب الذى قطع لسانه هربًا من الخطية, والفتاة التى هربت من الخطية بحيلة مع الشخص الذى أسرها!!
ويظهر بذل الجهد فى صور عديدة مثل:

أ- ضبط الحواس: ماذا أسمع؟ وماذا أشاهد؟, وبماذا اتكلم؟

ب- العلاقات المقدسة: من هم أصدقائى؟ هل من بينهم من يشكلون خطورة على خلاصى؟

ج- المقاومة المستمرة: فلا أترك نفسى لإيحاءات الخطية. أن جاءت كفكرة, أمنعها من أن تتحول إلى انفعال, ثم إلى فعل, ثم إلى عادة, ثم إلى انحراف؟! والهروب هو أهم وسيلة لذلك “اهرب من الخطيئة هربك من الحية فانها ان دنوت منها لدغتك” (سيراخ21: 2). “اما انت يا انسان الله فاهرب من هذا” (1تى 6: 11).

د- أن سقطت أقوم: فوعد الرب صادق:
– “َمَنْ يُقْبِلْ إِلَىَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً” (يو 37:6).
– “الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ. أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ” (أم16:24).

– “لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ، إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي” (مى 8:7).

مقال لنيافة الحبر الجليل الأنبا موسى

الشباب والتدبير الروحى

بقلم نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى الأسقف العام للشباب

 “حَيْثُ لاَ تَدْبِيرٌ يَسْقُطُ الشَّعْبُ، أَمَّا الْخَلاَصُ فَبِكَثْرَةِ الْمُشِيرِينَ” (أم 14:11).
 “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ .. أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا، لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا.. هَذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ” (عب 17،7:13).قراءة المزيد…